إغاثة اللهفان

ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته، وحتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيُخسف بأحدهما، فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمشي لشأنه ذلك، حتى يقضي شهوته منه.

وقال عبد الرحمن بن غَنْم١: سيكون حَيَّان متجاورين، فيَشُقُّ بينهما نهر، فيستقيان منه، قَبَسُهم واحد، [٧٥ ب] يَقْبِسُ بعضهم من بعضه، فيُصبحان يومًا من الأيام قد خُسف بأحدهما والآخر حَيٌّ.

وقال عبد الرحمن بن غَنْم٢ أيضًا: يوشك أن يقعد اثنان على رَحًى يطحنان، فيُمسَخ أحدهما والآخر ينظر.

وقال مالك بن دينار٣: بلغني أن ريحًا تكون في آخر الزمان وظُلَم، فيفزع الناس إلى علمائهم، فيجدونهم قد مُسِخُوا.

قال بعض أهل العلم: إذا اتَّصف القلب بالمكر والخديعة والفسق، وانصبغ بذلك صبغةً تامةً، صار صاحبه على خُلُق الحيوان الموصوف بذلك من القردة والخنازير وغيرهما، ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه، حتى

  1. (١) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٢١) عن علي بن الجعد عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن به.
  2. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ذمّ الملاهي (٢٠) عن ابن الجعد عن عبد الحميد عن شهر عن عبد الرحمن به.
  3. (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ذمّ الملاهي (٢٢) من طريق المؤمّل بن إهاب، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٨٢) من طريق أحمد بن حنبل، كلاهما عن سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان عن مالك به، ومن طريق ابن أبي الدنيا رواه الخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ١٨١)، ومن طريق الخطيب رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ٢٥٥).
471

يبدو على صفحات وجهه بُدُوًّا خفيًّا، ثم يقوَى ويتزايد، حتى يصير ظاهرًا على الوجه، ثم يقوى حتى يَقلِبَ الصورة الظاهرة كما قلب الهيئة الباطنة، ومَنْ له فراسة تامة يرى على صور الناس مسخًا من صور الحيوانات التي تخلَّقوا بأخلاقها في الباطن، فقلّ أن ترى مُختالًا مكارًا مخادعًا خَتَّارًا إلا وعلى وجهه مِسْخة قرد، وقلَّ أن ترى رافضيًّا إلا وعلى وجهه مِسخة خنزير، وقلَّ أن ترى شَرِهًا نَهِمًا نفسه نفسٌ كَلْبِيَّةٌ إلا وعلى وجهه مِسخة كلب. فالظاهر مرتبط بالباطن أتمَّ ارتباطٍ، فإذا استحكمت الصفات المذمومة في النفس قويت على قلب الصورة الظاهرة.

ولهذا خوّف النبي ﷺ مَن سابقَ الإمام في الصلاة بأن يجعل الله صورته صورة حمار١؛ لمشابهته للحمار في الباطن؛ فإنه لم يستفد بمسابقة الإمام إلا فساد صلاته، وبطلان أجره، فإنه لا يُسَلِّم قبله، فهو شبيه الحمار في البلادة وعدم الفِطْنَة.

إذا عُرف هذا فأحقُّ الناس بالمسخ هؤلاء الذين ذُكروا في هذه الأحاديث، فهم أسرع الناس مسخًا قردةً وخنازير، لمشابهتهم لهم في الباطن. وعقوبات الربِّ تعالى ــ نعوذ بالله منها ــ جاريةٌ على وفق حكمته وعدله.

وقد ذكرنا شُبَه المغنِّين والمفتونين بالسَّماع الشيطاني، ونقضناها نقضًا وإبطالًا في كتابنا الكبير في «السماع»٢، وذكرنا الفرق بين ما يحرِّكه سماع الأبيات، وما يحرِّكه سماع الآيات، وذكرنا الشُّبهة التي دخلت على كثير من العُبَّاد في حضوره، حتى عدُّوه من القُرَب. فمن أحبَّ الوقوف على ذلك فهو

  1. (١) كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧).
  2. (٢) المطبوع بعنوان «الكلام على مسألة السماع».
472

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي