إغاثة اللهفان

فهؤلاء الأئمة الأربعةُ أركان التابعين، وهم الحسن وسعيد بن المسيَّب وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النَّخعي.

وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد١ في رجل تزوج امرأةً ليحلها لزوجها الأول وهو لا يعلم، قال: لا يصلح ذلك؛ إذا كان تزوجها ليحلّها.

ذكر الآثار عن تابعي التابعين ومن بعدهم

قال ابن المنذر: وممن قال: إن ذلك لا يصلح إلا نكاح رَغْبةٍ: مالكُ بن أنس، والليث بن سعد.

وقال مالك ﵀: يفرّق بينهما على كل حال، وتكون الفرقةُ فسخًا بغير طلاق.

وقال سفيان الثوري: إذا تزوَّجها وهو يريد أن يحلَّها لزوجها، ثم بدا له أن يمسكها؛ لا يُعجبني إلا أن يفارق، ويستقبل نكاحًا جديدًا.

قال أحمد بن حنبل: جيد.

وقال إسحاق: لا يحلُّ له أن يمسكها؛ لأن المحلل لم تَتِمّ له عُقْدة النكاح.

وكان أبو عُبيد يقول بقول الحسن والنخعي.

وقال الجوزجاني: حدثنا إسماعيل بن سعيد، قال: سألت أحمد بن

  1. (١) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٥٣) عن أبي داود عن حبيب عن عمرو عن جابر بن زيد به.
487

حنبل عن الرجل تزوَّج المرأة، وفي نفسه أن يُحِلَّها لزوجها الأول، ولم تعلم المرأة بذلك؟ فقال: هو محلل، وإذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعون.

قال الجوزجاني: وبه قال أبو أيوب.

وقال ابن أبي شيبة: لست أرى أن ترجع بهذا النكاح إلى زوجها الأول.

قال الجوزجاني: وأقول: إن الإسلام دين الله الذي اختاره واصطفاه وطهَّره، حقيق بالتوقير والصيانة مما لعله يَشِينهُ، ويُنَزّه عما أصبح أبناء الملل من أهل الذمة يُعَيِّرون به المسلمين١، على ما تقدم فيه من النهي عن النبي ﷺ ولَعْنِه عليه. ثم ساق الأحاديث المرفوعة في ذلك والآثار.

فصل

ومن العجائب معارضة هذه الأحاديث والآثار عن الصحابة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]،

والذي أنزلت عليه هذه الآية هو الذي لعن المحلِّل والمحلَّل له، وأصحابه أعلم الناس بكتاب الله، فلم يجعلوه زوجًا وأبطلوا نكاحه، ولعنوه.

وأعجب من هذا قول بعضهم: نحن نحتج بكونه سَمّاه محللًا، فلولا أنه أثبت الحلّ لم يكن محللًا!

فيقال: هذه من العظائم؛ فإن هذا يتضمن أن رسول الله ﷺ لعن من فعل السّنّة التي جاء بها، وفعلَ ما هو جائز صحيح في شريعته!

وإنما سمَّاه محللًا لأنه أحلّ ما حرّم الله، فاستحقّ اللعنة، فإن الله سبحانه

  1. (١) ذكر نحو هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٢/ ١٥٦).
488

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي