حرّمها على المطلِّق حتى تنكح زوجًا غيره، والنكاح اسم في كتاب الله وسنة رسوله للنكاح الذي يتعارفه الناس بينهم نكاحًا، وهو الذي شُرع إعلانه، والضربُ عليه بالدف، والوليمة فيه، وجُعل للإيواء والسكن، وجعله الله مودةً ورحمةً، وجرت العادةُ فيه بضِدّ ما جرت به في نكاح المحلل؛ فإن المحلل لم يدخل على نفقة، ولا كسوة، ولا سُكنى، ولا إعطاء مهر، ولا تحصيل نسب ولا صِهْر، ولا قَصْدِ المُقام مع الزوجة، وإنما دخل عاريَّةً كالتيس المستعار للضِّراب، ولهذا شبَّهه به النبي ﷺ، [٧٨ أ] ثم لعنه.
فعُلِم قطعًا لا شك فيه أنه ليس هو الزوج المذكور في القرآن، ولا نكاحه هو النكاح١ المذكور في القرآن، وقد فَطَرَ الله سبحانه قلوبَ الناس على أن هذا ليس بنكاح، ولا المحلِّل زوج، وأن هذا منكر قبيح، يُعَيَّر به المرأة والزوج والمحلِّل والولي، فكيف يدخل هذا في النكاح الذي شرعه الله ورسوله، وأحبّه وأخبر أنه سنته، ومن رغب عنه فليس منه؟
وتأمل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾[البقرة: ٢٣٠]؛ أي: فإن طلقها هذا الثاني فلا جناح عليها وعلى الأول أن يتراجعا، أي: ترجع إليه بعقدٍ جديد، فأتى بحرف «إن» الدالة على أنه يمكنه أن يطلق وأن يُقيم. والتحليل الذي يفعله هؤلاء لا يتمكّن الزوج فيه من الأمرين، بل يشترطون عليه أنه متى وَطئها فهي طالق، ثم لما علموا أنه قد لا يُخبِر بوطئها، ولا يُقبلُ قولها في وقوع الطلاق، انتقلوا إلى أن جعلوا الشرط إخبار المرأة بأنه دخل بها، فبمجرّد إخبارها بذلك تطلَّق عليه.
(١) «النكاح» ساقطة من الأصل.
والله سبحانه شرع النكاح للوصلة الدائمة والاستمتاع، وهذا النكاح جعله أصحابه سببًا لانقطاعه، ولوقوع الطلاق فيه، فإنه متى وَطئ كان وطؤُه سببًا لانقطاع النكاح، وهذا ضدُّ شرع الله.
وأيضًا فإن الله سبحانه جعل نكاح الثاني وطلاقه واسمه كنكاح الأول وطلاقه واسمه، فهذا زوج وهذا زوج، وهذا نِكاح وذلك نكاح، وكذلك الطلاق. ومعلوم أن نكاح المحلِّل وطلاقه واسمه لا يشبه نكاح الأول ولا طلاقه ولا اسمه، ذاك زوج راغب، قاصد للنكاح، باذِلٌ للمهر، ملتزم للنفقة والسُّكنَى والكسْوة، وغير ذلك من خصائص النكاح؛ والمحلل بريء من ذلك كلِّه، غير ملتزم لشيء منه.
وإذا كان الله تعالى ورسوله قد حرّم نكاح المُتعة، مع أن قصد الزوج الاستمتاع بالمرأة، وأن يقيم معها زمانًا، وهو ملتزم لحقوق النكاح فالمحلِّل الذي ليس له غرض أن يقيم مع المرأة إلا قَدْرَ ما ينزُو عليها كالتَّيْسِ المستعار لذلك، ثم يفارقها: أولى بالتحريم.
وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من أكثر من عشرة أوجه١:
أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعًا في أول الإسلام، ونكاح التحليل لم يُشرع في زمن من الأزمان.
الثاني: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبيِّ ﷺ، ولم يكن في الصحابة محلِّلٌ قطُّ.
(١) م: «اثني عشر وجهًا». وانظر بعض هذه الأوجه في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٩٣ وما بعدها).