إغاثة اللهفان

غرض له سوى أنه مستعار للضِّراب كالتيس، فنكاحه غير مقصود له ولا للمرأة ولا للولي، وإنما هو كما قال الحسن: مسمار نارٍ في حدود الله١! وهذه التسمية مطابقة للمعنى.

قال شيخ الإسلام: يريد الحسن أن المسمار هو الذي يُثبِّت الشيء المسمور، فكذلك هذا يُثبت تلك المرأة لزوجها وقد حرَّمها الله عليه.

السادس: أن المستمتع لم يَحْتَل على تحليل ما حرَّم الله، فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، بل هو ناكح ظاهرًا وباطنًا، والمحلِّل ماكرٌ مخادع، متخذٌ آيات الله هُزوًا، ولذلك جاء في وعيده ولعنه ما لم يجئ في وعيد المستمتع مثلُه ولا قريبٌ منه.

السابع: أن المستمتع يريد المرأة لنفسه، وهذا هو سرُّ النكاح ومقصوده، فيريد بنكاحه حلّها له ولا يطؤها حرامًا٢، والمحلِّل لا يريد حلها لنفسه، وإنما يريد حلَّها لغيره، ولهذا سُمي محللًا.

فأين من يريد أن يُحِلَّ وطْءَ امرأة يخاف أن يطأها حرامًا إلى من لا يريد ذلك؛ وإنما يريد بنكاحها أن يُحِلّ وطأها لغيره؟ فهذا ضد شرع الله ودينه، وضد ما وُضع له النكاح.

الثامن: أن الفطر السليمة والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد تَنفرُ من التحليل أشدَّ نِفار، وتُعِّير به أعظم تعيير، حتى إن كثيرًا من النساء تُعَيِّرُ المرأة به أكثر مما تعيِّر بالزنى، ونكاح المتعة لا تنفرُ منه الفطر والعقول، ولو نفرت منه لم يُبَح في أول الإسلام.

  1. (١) تقدَّم تخريجه.
  2. (٢) «ولا يطأها حرامًا» ساقطة من الأصل.
492

التاسع: أن نكاح المتعة يشبه إجارة الدابَّة مدةً للركوب، وإجارة الدار مدة للانتفاع بالسُّكنى، وإجارة العبد للخدمة مدةً، ونحو ذلك مما للباذل فيه غرض صحيح، ولكن لما دخله التوقيت أخرجَهُ عن مقصود النكاح الذي شُرع بوصف الدَّوام والاستمرار، وهذا بخلاف نكاح المحلل؛ فإنه لا يشبه شيئًا من ذلك، ولهذا شبّهه الصحابة ﵃ بالسفاح، وشبَّهوه باستعارة التيس للضِّراب.

العاشر: أن الله سبحانه نصب هذه الأسباب ــ كالبيع والإجارة والهبة والنكاح ــ مُفْضِيةً إلى أحكام جعلها مسبَّباتٍ لها ومقتضيَاتٍ، فجعل البيع سببًا لملك الرّقبة، والإجارة سببًا لملك المنفعة أو الانتفاع، والنكاح سببًا لملك البُضع وحِل الوطء.

والمحلل مناقضٌ معاكس لشرع الله ودينه؛ فإنه جعل نكاحه سببًا لتمليك المطلِّق البُضع وإحلاله له، ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له من ملكه هو للبُضع، وحِلِّه له، ولا له غرض في ذلك، ولا دخل عليه، وإنما قصد به أمرًا آخر، لم يشرع له ذلك السبب، ولم يجعل طريقًا له.

الحادي عشر: أن المحلل من جنس المنافق؛ فإن المنافق يُظهر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهرًا وباطنًا، وهو في الباطن غير ملتزم له. وكذلك المحلل يُظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويُسَمِّي المهر، ويُشهد على رضا المرأة، وفي الباطن بخلاف ذلك، لا يريد أن يكون زوجًا، ولا أن تكون المرأة زوجة له، ولا يريد بذل الصداق، ولا القيام بحقوق النكاح، وقد أظهر خلاف ما أبطن وأنه مريد لذلك، والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو والمطلِّق أن الأمر ليس كذلك، وأنه غير زوج على الحقيقة، ولا هي امرأته على الحقيقة.

493

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي