إغاثة اللهفان

ذلك وأعوزَهم انتقلوا إلى:

الحيلة الخامسة: وهي استكراء التيس الملعون المستعار، ليَنْزُوَ عليها، ويُحِلّها بزعمه.

فهذه خمس حيل للخاصة. وأما جهال العامة فلما رأوا أن المقصود التحيُّلُ على رَدِّها إلى المطلِّق بأي طريق اتفق؛ قالوا: المقصود هو الرجوع، والحيلة مقصودة لغيرها، وأعيان الحيل ليست مقصودة، فاستنبطوا لهم خمس حيلٍ أخرى:

إحداها: أن يأمروا المحلِّل بأن يطأها برجله، فيطأها وهي قاعدة أو مضطجعة برجله ثم يخرج، ورأوا أن الوطء بالرجل أسهلُ عليهم وأقلّ مفسدة من الوطء بالآلة؛ فإنه إذا كان كلاهما غير مقصود، فما كان أقل فسادًا كان أقرب إلى المقصود.

الحيلة الثانية: أن تكون حاملًا، فتلدُ ذكرًا، وكأنهم قاسُوا الذكر الذي معها خارجًا على الذكر الذي يَشُقُّها داخلًا، وهذا من جنس قياس التيس الملعون على الزوج المقصود!

الحيلة الثالثة: أن يَصُبّ المحلِّل عليها دُهنًا، يتشربه جَسَدُها ولا يطأُها، وكأنهم قاسوا تَشَرُّبَ جَسِدها للدهن وسَريانه فيه على تشرُّبه للنُّطْفَة وسَرايتها١ فيه!

الحيلة الرابعة: السفر عنها أو سفرها عنه، فإذا قدم ظنَّ أن ذلك كافٍ عن الزوج، ولا أدري من أين ألقَى إليهم الشيطانُ ذلك؟ وكأنهم ظنُّوا أنهم قد التقوا من الآن، وأن السفر قطع حكم ما مضى رأسًا!

  1. (١) م: «سريانها».
498

الحيلة الخامسة: أن يجتمعا على عَرَفات، فإذا وقف بها على الجبل لم تَحتجْ بعد ذلك إلى زوج آخر عندهم.

وقد سُئلنا نحن وغيرنا عن ذلك، وسمعناه منهم!

فصل

واعلم أن من اتقى الله في طلاقه، فطلَّق كما أمره الله ورسوله وشرعه له، أغناه عن ذلك كله، ولهذا قال تعالى بعد أن ذكر حُكم الطلاق المشروع: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]؛ فلو اتّقى اللهَ عامةُ المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال، والمكر والاحتيال؛ فإن الطلاق الذي شرعه الله سبحانه أن يُطلِّقها طاهرًا من غير جماع، ويطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عِدّتُها فإن بَدَا له أن يُمسكها في العِدّة أمسكها، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدَّتها أمكنه أن يستقبل العَقْد عليها من غير زوج آخر، وإن لم يكن له فيها غرض لم يَضرَّه أن تتزوج بزوج غيره، فمن فعل هذا لم يندم، ولم يَحْتَجْ إلى حيلة ولا تحليل.

ولهذا سُئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مئةً؟ فقال: عَصَيْتَ ربَّك، وفارقت امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا١.

وقال سعيد بن جُبير٢: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إني طلقت

  1. (١) رواه الطحاوي في شرح المعاني (٤١٤٣)، والطبراني في الكبير (١١/ ٩٥)، والدارقطني (٤/ ١٣)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٣٣١، ٣٣٧)، وصحّحه الألباني في الإرواء (٢٠٥٦).
  2. (٢) رواه عبد الرزاق (٦/ ٣٩٧)، وابن أبي شيبة (٤/ ٦٢)، والطحاوي في شرح المعاني (٤١٤١، ٤١٤٢)، والدارقطني (٤/ ١٢ - ١٤)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٣٣٢)، وغيرُهم من طرق عن سعيد بن جبير به بألفاظٍ متقاربة، وفي بعضها أنه طلّق ألفًا ومائة، وفي أخرى أنه طلّق مائة، قال ابن حزم في المحلى (١٠/ ١٧٢): «هذا الخبر في غاية الصحة»، وصحّحه الألباني في الإرواء (٢٠٥٧).
499

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي