إغاثة اللهفان

امرأتي ألفًا، فقال: أما ثلاث فتحرِّم عليك امرأتَك، وبقيَّتهن وِزْر، اتخذْت آيات الله هُزُوًا.

وقال مجاهد: كنتُ عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا فسكت حتى ظننتُ أنه رادُّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدُكم فيركبُ الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس؟ والله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وإنك لم تتقِ الله؛ فلا أجد لك مخرجًا، عَصَيْتَ ربك، وبانت منك امرأتك. ذكره أبو داود١.

وقد٢ روى النسائي٣ عن محمود بن لَبيد، قال: أُخْبِرَ رسول الله ﷺ

  1. (١) سنن أبي داود (٢١٩٩)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٧/ ٣٣١)، ورواه أيضًا الطبري في تفسيره (٢٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، والطبراني في الكبير (١١/ ٨٨)، والدارقطني (٤/ ٥٩، ٦١)، وغيرهم من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد به، ورواه عبد الرزاق (٦/ ٣٩٧) عن ابن جريج عن مجاهد به نحوَه، وقال: «وذكره مجاهد عن أبيه عن ابن عباس»، وصحّحه المصنّف فيما يأتي، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص ١٥٠)، وابن حجر في الفتح (٩/ ٣٦٢)، والشنقيطي في الأضواء (١/ ١١١، ١١٧)، والألباني في الإرواء (٢٠٥٥). ورواه الدارقطني (٤/ ٥٩) من طريق عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس.
  2. (٢) هنا سقط كبير في الأصل، ويستمر إلى ص ٥٧٨.
  3. (٣) سنن النسائي (٣٤٠١) من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه عن محمود به، واختُلف في صحبة محمود، وفي سماعه من النبيّ ﷺ، وأعلّه بالانقطاع ابن حزم في المحلى (١٠/ ١٦٨)، وابن كثير في تفسيره (١/ ٦٢١)، وقوّاه في إرشاد الفقيه (٢/ ١٩٤)، وصحّحه ابن التركماني في الجوهر النقي (٧/ ٣٣٣ السنن الكبرى)، والمصنف في الزاد (٥/ ٢٤١)، وقال ابن حجر الفتح (٩/ ٣٦٢): «رجاله ثقات، لكن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي ﷺ، ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية»، وصححه الشنقيطي في الأضواء (١/ ١٠٩)، والألباني في غاية المرام (٢٦١).
500

عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غَضْبانَ، ثم قال: «أيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظْهُرِكم؟»، حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله! ألا أقْتُله؟

وهذه الآثار موافقة لما دلّ عليه القرآن؛ فإن الله سبحانه إنما شرع الطلاق مَرّة بعد مرة. ولم يشرعه جملة واحدة أصلًا. قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والمرتان في لغة العرب بل وسائر لغات الناس: إنما تكون لما يأتي مرة بعد مرة، فهذا القرآن من أوله إلى آخره، وسُنة رسول الله ﷺ، وكلام العرب قاطبةً شاهدٌ بذلك، كقوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١]، وقوله: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨]، ثم فسرها بالأوقات الثلاثة. وشواهد هذا أكثر من أن تُحصى.

ثم قال سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فهذه هي المرة الثالثة.

فهذا هو الطلاق الذي شرعه الله سبحانه مرةً بعد مرةٍ بعد مرةٍ، فهذا شَرْعُهُ من حيث العدد.

501

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي