لابن عباس، قال: أمَا علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً: على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر ﵄؟ فقال ابن عباس: بَلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة: على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر ﵄، فلمّا رأى الناس قد تتايعوا فيها قال: أجْروهنّ عليهم.
هكذا في هذه الرواية: قبل أن يدخل بها. وبها أخذ إسحاق بن راهويه، وخَلْقٌ من السلف، جعلوا الثلاث واحدة في غير المدخول بها. وسائر الروايات الصحيحة ليس فيها: قبل الدخول؛ ولهذا لم يذكر مسلم منها شيئًا.
وهذا الحديث قد رواه عن ابن عباس ثلاثةُ نَفَرٍ: طاوس وهو أجلُّ من رواه عنه، وأبو الصهباء العدوي، وأبو الجوزاء، وحديثه عند الحاكم في «المستدرك»١. ولفظه: أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس، فقال: أتعلم أن
(١) المستدرك (٢٧٩٢)، ورواه أيضًا الدارقطني (٤/ ٥٢، ٥٥ - ٥٦)، كلاهما من طريق ابن المؤمل عن ابن أبي ملكية عن أبي الجوزاء به، قال الدارقطني: «عبد الله بن المؤمل ضعيف، ولم يروه عن ابن أبي مليكة غيره»، وقال الذهبيّ متعقِّبًا تصحيح الحاكم: «ابن المؤمل ضعَّفوه»، وقال المصنف فيما يأتي: «الظاهر أن هذه الرواية غير محفوظة، فهي وهمٌ في الكنية، انتقل فيها عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة من أبي الصهباء إلى أبي الجوزاء، فإنه كان سيئ الحفظ، والحفاظ قالوا: أبو الصهباء، وهذا لا يوهن الحديث».
الثلاث كُنّ يُرْدَدْنَ على عهد رسول الله عليه الصلاة السلام إلى واحدة؟ قال: نعم. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».
ورواية طاوس نفسه، عن ابن عباس ليس في شيء منها: قبل الدخول، وإنما حكَى ذلك طاوس عن سؤال أبي الصهباء لابن عباس، فأجابه ابن عباس بما سأله عنه، ولعله إنما بلغه جعلُ الثلاث واحدة في حق مُطلِّقٍ قبل الدخول، فسأل عن ذلك ابن عباس، وقال: كانوا يجعلونها واحدة؟ فقال له ابن عباس: نعم، الأمرُ على ما قلت.
وهذا لا مفهوم له، فإنّ التقييد في الجواب وقع في مقابلة تقييد السؤال، ومثل هذا لا يُعْتَبَرُ مفهومه.
نعم، لو لم يكن السؤال مقيدًا، فقيّد المسؤولُ الجوابَ، كان مفهومه معتبرًا، وهذا كما إذا سُئل عن فأرة وقعت في سَمْن، فقال: «إذا وقعت الفأرة في السمن فألقُوها وما حولَها وكُلُوه»١، لم يدل ذلك على تقييد الحكم بالسمن خاصة.
وبالجملة، فغير المدخول بها فَرْد من أفراد النساء، فَذُكِرَ النساء مطلقًا في أحد الحديثين، وذُكِرَ بعض أفرادهن في الحديث الآخر، فلا تعارض بينهما.
وأما الحديث الآخر، فقال أبو داود في «سننه»٢: حدثنا أحمد بن
(١) أخرجه البخاري (٢٣٥) عن ابن عباس.
(٢) سنن أبي داود (٢١٩٨)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٧/ ٣٣٩)، وهو في مصنف عبد الرزاق (٦/ ٣٩٠)، قال أبو داود: «حديث نافع بن عجير وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جدّه أنّ ركانة طلق امرأته البتة فردّها إليه النبي ﷺ أصحّ؛ لأنّ ولد الرجل وأهله أعلم به أنّ ركانة إنما طلق امرأته البتة فجعلها النبيّ ﷺ واحدة»، وقال النووي في شرح صحيح مسلم (١٠/ ٧١): «هذه الرواية ضعيفة عن قوم مجهولين، وإنما الصحيح منها أنه طلّقها البتة»، ورجّح غيرهما أنه طلّقها ثلاثًا، قال ابن تيمية كما في المجموع (٣٣/ ١٥): «أثبت أحمد حديثَ الثلاث، وبيّن أنّه الصواب». وسيأتي تخريج حديثِ ركانة الذي فيه أنه طلّق البتة.