إغاثة اللهفان

يَدّعيه من نِصْفِ خلافة عمر ﵁ وهَلُمّ جَرًّا؛ فإنه لم يزل الاختلاف فيها قائمًا، وذكره أهلُ العلم في مصنفاتهم قديمًا وحديثًا.

فمِمّن ذكر الخلاف في ذلك: داود وأصحابه، واختاروا أن الثلاث واحدة.

وممن حكى الخلاف: الطحاوي في كتابه «اختلاف العلماء»١، وفي كتاب «تهذيب الآثار»٢، وأبو بكر الرازي في كتاب «أحكام القرآن»٣، وحكاه ابنُ المنذر، وحكاه ابن حزم٤، وحكاه المؤرِّج في «تفسيره»، وحكى حجّة القولين، ثم قال: وهي مسألة خلاف بين العلماء، وحكاه محمد بن نَصْر المَرْوَزِي٥، واختار القول الثالث٦: أنها واحدة في حق البِكْر، ثلاث في حق المدخول بها.

وحكاه من المتأخرين: المازَرِيّ في كتاب «المُعْلِم»٧، وحكاه عن محمد بن مُقاتل من أصحاب أبي حنيفة، وهو من أجلِّ أصحابهم من الطبقة الثالثة من أصحاب أبي حنيفة، فهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة. وحكاه التِّلِمْسَانِيُّ في «شرح التفريع» في مذهب مالك قولًا في مذهبه، بل رواية عن

  1. (١) انظر مختصره للجصاص (٢/ ٤١١).
  2. (٢) أي شرح معاني الآثار (٣/ ٥٥ - ٥٩).
  3. (٣) أحكام القرآن للجصاص الرازي (١/ ٣٨٨).
  4. (٤) المحلى (١٠/ ١٦٧).
  5. (٥) انظر: اختلاف العلماء (ص ١٣٣).
  6. (٦) ح: «بالثلاث».
  7. (٧) المعلم (٢/ ١٢٧).
510

مالك، وحكاه غيره قولًا في المذهب، فهو أحد القولين في مذهب مالك، وأبي حنيفة. وحكاه شيخ الإسلام عن بعض أصحاب أحمد، وهو اختياره، وأسوأُ أحواله أن يكون كبعض أصحاب الوجوه في مذهبه، كالقاضي وأبي الخطاب، وهو أجلّ من ذلك، فهو قول في مذهب أحمد بلا شك.

وأما التابعون، فقال ابن المنذر: كان سعيد بن جُبير، وطاوس، وأبو الشّعْثاء، وعطاء، وعَمْرو بن دينار، يقولون: من طلق البِكْر ثلاثًا فهي واحدة.

قال: واختُلِف في هذا الباب عن الحسن: فرُوي عنه أنها ثلاث، وذكر قتادة، وحُميد، ويونس عنه: أنه رجع عن قوله بعد ذلك، وقال: واحدة بائنة.

وقال محمد بن نصر في كتاب «اختلاف العلماء»١: أجمع أهل العلم: أن الرجل إذا طلق امرأته تطليقةً، ولم يدخل بها، أنها بانَتْ منه، وليس عليها عِدّة، واختلفوا في غير المدخول بها، إذا طلقها الزوج ثلاثًا بلفظٍ واحد:

فقال الأوزاعي، ومالك، وأهل المدينة: لا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره.

وروي عن ابن عباس، وغير واحد من التابعين أنهم قالوا: إذا طلقها ثلاثًا قبل أن يدخل بها فهي واحدة.

وأكثر أهل الحديث على القول الأول.

قال: وكان إسحاق٢ يقول: طلاق الثلاث للبكر واحدة، وتأوّل حديث

  1. (١) (ص ١٣٣).
  2. (٢) في بعض النسخ هنا وفيما بعد: «أبي إسحاق». وهو خطأ، والمراد هنا ابن راهويه.
511

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي