فيطلِّقون طلاقًا محرمًا، ويراجعون رَجْعة محرمة، ولا يُعْلِمون بذلك رسول الله ﷺ، وهو بَينَ أظْهُرِهم.
ثم حديث ابن عباس الذي رواه أحمد يردّ ذلك، ثم تردُّه فتوى ابن عباس في إحدى الروايتين عنه١، وهي ثابتة عنه بأصحّ إسناد؛ كما أن الرواية الأخرى ثابتة عنه.
وكيف يستمر جَهْلُ أخيار الأمة بالطلاق والرجعة مدة حياته ﷺ، ومدة حياة الصديق ﵁ كلها، وشَطْرًا من خلافة عمر ﵁، ثم يظهر لهم بعد ذلك الطلاق والرجعة الجائزان؟
وكيف يصحُّ قول عمر ﵁: إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة؟ وكيف يصح قوله: فلو أنا أمضيناه عليهم؟
فهذا المسلك كما ترى!
وأما الإمام أحمد ﵀ فإنما ردَّه بفتوى ابن عباس بخلافه، وهو راوي الحديثين.
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: كان الطلاقُ الثلاثُ على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر ﵄: طلاق الثلاث واحدة؛ بأي شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوهٍ خلافَه.
وكذلك نقل عنه ابن منصور.
وهذا المسلك إنما يجيء على إحدى الروايتين: أن الصحابيّ إذا عمل
(١) تقدم تخريجها.
بخلاف الحديث لم يُحتجّ به، واتُّبع عمل الصحابي.
والمشهور عنه أن العبرة بما رواه الصحابي لا بقوله، إذا خالف الحديث. ولهذا أخذ برواية ابن عباس في حديث بريرة١، وأن بَيْعَ الأمَة لا يكون طلاقًا لها؛ لأن رسول الله ﷺ خَيّرها، ولو انفسخ النكاح ببيعها لم يُخيّرها، مع أن مذهب ابن عباس أن بيع الأمة طلاقها، واحتج بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾[النساء: ٢٤]، فأباح وَطْءَ مملوكته المزوَّجة، ولو كان النكاح باقيًا لم ينفسخ لم يُبَحْ له وطؤها. والجمهور وأحمد معهم خالفوه في ذلك، وقالوا: لا يكون بيعها طلاقًا، واحتجوا بحديث بَرِيرة، وتركوا رأيه لروايته؛ فإن روايته معصومة، ورأيه غير معصوم.
والمشهور من مذهب الشافعي أن الأخذ بروايته دون رأيه، والمشهور من مذهب أبي حنيفة عكس ذلك، وعن أحمد روايتان.
فهذا المسلك في رد الحديث لا يقْوى.
وسلك آخرون في رد الحديث مسلكًا آخر؛ فقالوا: هو حديث مضطرب لا يصح، ولذلك أعرض عنه البخاري، وترجم في «صحيحه»٢ على خلافه، فقال: «باب جواز الطلاق الثلاث في كلمة، لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾»، ثم ذكر حديث اللّعان، وفيه: فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ، ولم يغير عليه النبي ﷺ، وهو لا يقرّ على باطل.