إغاثة اللهفان

الوجه الثاني من الاستدلال بالآية: قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، وهذا إنما هو في الطلاق الرجعى، فأما البائن فلا سُكنى لها ولا نفقة، لسنة رسول الله ﷺ الصحيحة التي لا مَطعن في صحتها١، الصريحة التي لا شبهة في دلالتها، فدلّ على أن هذا حكم كل طلاق شرعه الله تعالى ما لم يسبقه طلقتان قبله، ولهذا قال الجمهور: إنه لا يشرع له، ولا يملك إبانتها بطلقة واحدة بدون العِوض.

وأبو حنيفة قال: يملك ذلك؛ لأن الرجعة حقّه، وقد أسقطها.

والجمهور يقولون: ثبوتُ الرجعة وإن كان حقًّا له فلها عليه حقوق الزوجية، فلا يملك إسقاطَها إلا بمخالعة أو باستيفاء العِدَدِ، كما دلّ عليه القرآن.

الوجه الثالث: أنه قال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، فإذا طلقها ثلاثًا جملةً واحدةً فقد تعدّى حدود الله، فيكون ظالمًا.

الوجه الرابع: أنه سبحانه قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وقد فهم أعلم الأمّة بالقرآن ــ وهم الصحابة ﵃ أجمعين ــ أن الأمر هاهنا هو الرجعة، فقالوا: وأيّ أمرٍ يُحدِثُ بعد الثلاث؟

الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، فهذا حكم كل طلاقٍ شرعه الله إلا أن يُسبَق

  1. (١) أخرجها مسلم (١٤٨٠) عن فاطمة بنت قيس.
530

بطلقتين قبله، وقد احتجّ ابن عباسٍ على تحريم جمع الثلاث بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قُبُل عِدَتِهِنّ، كما تقدم؛ وهذا حق؛ فإن الآية إذا دلت على منع إرداف الطلاق في طُهر أو أطهار قبل رجعة أو عقد كما تقدم؛ لأنه يكون مُطلقًا في غير قُبُل العدّة= فلأن تدُلَّ على تحريم الجمع أولى وأحرى.

قالوا: والله سبحانه شرع الطلاق على أيسر الوجوه وأرْفَقها بالزوج والزوجة؛ لئلا يتسارع العبد في وقوعه، ومفارقة حبيبه، ومدَّ له وقتَ العدة أجلًا؛ لاستدراك الفارط بالرجعة.

فلم يُبِحْ له أن يُطلق المرأة في حال حيضها؛ لأنه وقت نُفرته عنها، وعدم قدرته على استمتاعه بها، ولا عَقِيبَ جماعها، لأنه قد قَضى غرضه منها، وربَّما فَتَرت رغبته فيها، وزهد في إمساكها لقضاء وطره، فإذا طلقها في هاتين الحالتين ربما يندم فيما بعد هذا، مع ما في الطلاق في الحيض من تطويل العدة، وعَقِيبَ الجماع من طلاق مَن لعلها قد اشتمل رَحِمُها على ولدٍ منه، فلا يريد فراقها.

فأما إذا حاضت ثم طهرت فنفسه تتوق إليها؛ لطول عهده بجماعها، فلا يُقْدِمُ على طلاقها في هذه الحال إلا لحاجته إليه، فلم يُبحْ له الشارع أن يطلِّقها إلا في هذه الحال، أو في حال استبانة حملها؛ لأن إقدامه أيضًا على طلاقها في هذه الحال دليلٌ على حاجته إلى الطلاق.

وقد أكَّد النبي ﷺ هذا بمنعه لعبد الله بن عمر أن يطلق في الطُّهر الذي يلي الحيضة التي طلّق فيها، بل أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن بدا له أن يُطلِّقها فلْيُطَلِّقها، وفى ذلك عدة حكَم:

531

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي