يكون حجة لكم على منازعيكم، وليس حجة لهم عليكم، فبعيدٌ من العدل والإنصاف.
هذا مع أنَّا نتنزَّل على هذا المقام، ونقول: الاحتجاج بهذا الحديث فيه نوع سهو من المحتج به، ولو تأمّل طرق الحديث وكيف وقعت القصة لم يحتجَّ به؛ فإن الثلاث المذكورة فيه لم تكن مجموعة، وإنّما كان قد طلقها تطليقتين قبل ذلك، ثم طلقها آخر الثلاث، كذا جاء مصرّحًا به في «الصحيح».
فروى مسلم في «صحيحه»١ عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبى طالب ﵁ إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقةٍ كانت بقيَتْ من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعيّاش بن أبى ربيعة بنفقة، فقالا لها: والله ما لكِ نفقة إلا أن تكوني حاملًا، فأتت النبي ﷺ، فذكرت له قولهما، فقال: «لا نفقةَ لك» وساق الحديث بطوله.
فهذا المفسَّرُ يُبَيِّن ذلك المجمَل، وهو قوله: طلَّقها ثلاثًا.
وقال الليث٢: عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس، أنها أخبرته أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص بن المغيرة طلَّقها آخر ثلاث تطليقات، وساق الحديث.
(١) برقم (١٤٨٠).
(٢) رواية اللّيث هذه أخرجها أيضًا مسلم (١٤٨٠) ولم يذكر لفظها، وإنما أحال على الرواية التي قبلها فقال: «مثلَه»، أي: مثل رواية صالح عن ابن شهاب.
ذكره أبو داود١، ثم قال: «وكذلك رواه صالح بن كَيسان٢، وابن جُريج٣، وشعيب بن أبي حمزة٤؛ كلهم عن الزّهري».
ثم ساق٥ من طريق عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن الزهري، عن عبيد الله، قال: أرسل مَروان إلى فاطمة فسألها؟ فأخبرته: أنها كانت عند أبي حفص، وكان النبي ﷺ أمّر عليّ بن أبي طالب ﵁ على بعض اليمن، فخرج معه زوجها، فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها، وذكر الحديث بتمامه.
والواسطة بين مروان وبينها هو قبيصةُ بن ذُؤيب، كذلك ذكره أبو داود من طريق أخرى٦.
(١) سنن أبي داود (٢٢٩١).
(٢) رواية صالح هذه أخرجها مسلم (١٤٨٠) عنه عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلَّقها آخر ثلاث تطليقات، الحديث.
(٣) رواية ابن جريج هذه أخرجها عبد الرزاق (٧/ ٢٠)، وأحمد (٦/ ٤١٦)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٦٦)، والدارقطني (٤/ ٢٩)، إلا أنّه جاء فيها عندهم جميعًا تسميةُ زوجها بأبي عمرو بن حفص بن المغيرة.
(٤) لم أقف على روايةٍ لشعيب عن الزهري عن أبي سلمة بهذا الحديث، والذي وقفتُ عليه ما رواه النسائي (٣٥٥٢) والطبراني في مسند الشاميين (٣١٢٦) عنه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن فاطمة بنت قيس به، وفيه أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، وأنه أرسل إليها بتطليقة وهي بقيّة طلاقها.
(٥) سنن أبي داود (٢٢٩٢). ورواية عبد الرزاق هذه أخرجها أيضًا مسلم (١٤٨٠/ ٤١) إلا أنّه جاء فيها تسميةُ زوجها بأبي عمرو بن حفص بن المغيرة.
(٦) بيان أن الواسطةَ قبيصة هو في رواية عبد الرزاق نفسِها، وهو كذلك في صحيح مسلم، والله أعلم.