وحينئذٍ فنقول: إما أن تقع الفرقة بالْتِعان الزوج وحده، كما يقوله الشافعي، أو بالْتِعانهما كما يقوله أحمد، أو يقف على تفريق الحاكم:
فإن وقعت بالْتِعانِه أو الْتِعانهما فالطلاق الذي وقع منه لَغوٌ، لم يُفد شيئًا البتة، بل هو في طلاق أجنبية.
وإن وقعت الفرقة على تفريق الحاكم فهو يفرِّق بينهما تفريقًا يُحرِّمها عليه تحريمًا مؤبدًا، فالطلاق الثلاث أكّد هذا التحريم الذي هو موجَب اللعان، ومقصود الشارع، فكيف يُلحق به طلاق غير الملاعنة، وبينهما أعظم فرق؟
فصل
وأما حديث محمود بن لَبيد في قصة المطلق ثلاثًا، فالاحتجاج به على الجواز من باب قَلْبِ الحقائق، والاحتجاج بأعظم ما يدل على التحريم، لا على الإباحة. والاستدلال به على الوقوع من باب التكهنّ والخَرص، والزيادة في الحديث ما ليس فيه، ولا يدل عليه بشيءٍ من وجوه الدلالات البتة.
ولكن المقلِّد لا يُبالي بنُصرة تقليده بما اتفق له، وكيف يُظَنّ برسول الله ﷺ أنه أجاز عمل من استهزأ بكتاب الله، وصحَّحه، واعتبره في شرعه وحُكمه، ونفَّذه؟ وقد جعله مستهزئًا بكتاب الله تعالى. وهذا صريحٌ في أن الله ﷾ لم يشرع جمع الثلاث، ولا جعله من أحكامه.
فصل
وأما حديث رُكانة أنه طلق امرأته البتة، وأن رسول الله ﷺ استحلفه: ما أراد بها إلا واحدة؟ فحديث لا يصح.
قال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب «العلل»١ له: «قال أحمد: حديث ركانة ليس بشيء».
وقال الخَلّال في كتاب «العلل» عن الأثْرَم: «قلت لأبى عبد الله: حديث ركانة في البتّة؟ فضعفه، وقال: ذاك جعله بنيَّته».
وقال شيخنا ﵀٢: «الأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث كالإمام أحمد، والبخاري، وأبى عُبيد، وغيرهم، ضعَّفوا حديث ركانة البتة؛ وكذلك أبو محمد بن حَزم، وقالوا: إن رُوَاتَهُ قوم مجاهيل، لا تعرف عدالتهم وضبْطُهم».
قال: «وقال الإمام أحمد: حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا يثبت، وقال أيضًا: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين، عن عِكرمة، عن ابن عباس: أن رُكانة طلق امرأته ثلاثًا؛ وأهل المدينة يُسَمّون من طلق ثلاثًا طلق البتة».
فإن قيل: فقد قال أبو داود: «حديث البتة أصح من حديث ابن جُريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا؛ لأنهم أهل بيته وهم أعلم به»؛ يعني: وهم الذين رووا حديث البتة.