وأما حديث رُكانة أنه طلق امرأته البتة، وأن رسول الله ﷺ استحلفه: ما أراد بها إلا واحدة؟ فحديث لا يصح.
قال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب «العلل»١ له: «قال أحمد: حديث ركانة ليس بشيء».
وقال الخَلّال في كتاب «العلل» عن الأثْرَم: «قلت لأبى عبد الله: حديث ركانة في البتّة؟ فضعفه، وقال: ذاك جعله بنيَّته».
وقال شيخنا ﵀٢: «الأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث كالإمام أحمد، والبخاري، وأبى عُبيد، وغيرهم، ضعَّفوا حديث ركانة البتة؛ وكذلك أبو محمد بن حَزم، وقالوا: إن رُوَاتَهُ قوم مجاهيل، لا تعرف عدالتهم وضبْطُهم».
قال: «وقال الإمام أحمد: حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا يثبت، وقال أيضًا: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين، عن عِكرمة، عن ابن عباس: أن رُكانة طلق امرأته ثلاثًا؛ وأهل المدينة يُسَمّون من طلق ثلاثًا طلق البتة».
فإن قيل: فقد قال أبو داود: «حديث البتة أصح من حديث ابن جُريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا؛ لأنهم أهل بيته وهم أعلم به»؛ يعني: وهم الذين رووا حديث البتة.
(١) العلل المتناهية (٢/ ١٥٠).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٥).
فقال شيخنا في الجواب: «أبو داود إنما رجّح حديث البتة على حديث ابن جريج، لأنه روى حديث ابن جريج من طريق فيها مجهول، فقال: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني بعض ولد أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلق عبد يزيد ــ أبو ركانة وإخوتِه ــ أمَّ ركانة ثلاثًا ... الحديث١. ولم يرو الحديث الذي رواه أحمد في «مسنده»٢ عن إبراهيم بن سعد: حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثنا داود بن الحُصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: طلق رُكانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا في مجلسٍ واحد.
فلهذا رجّح أبو داود حديث الْبَتّة على حديث ابن جُريج، ولم يتعرّض لهذا الحديث، ولا رواه في «سُننه». ولا ريب أنه أصحُّ من الحديثين، وحديث ابن جريج شاهد له وعاضد، فإذا انضمّ حديث أبي الصهباء إلى حديث ابن إسحاق إلى حديث ابن جريج مع اختلاف مخارجها، وتعدّد طرقها= أفادت العلم بأنها أقوى من حديث البتة بلا شك.
ولا يمكن من شَمَّ روائحَ الحديث ولو على بُعْدٍ أن يرتاب في ذلك، فكيف يقدِّم الحديث الضعيف الذي ضعَّفه الأئمة ورواته مجاهيل، على هذه الأحاديث؟».
فصل
وأما حديث مُعاذ بن جبل: فلقد وَهَت مسألةٌ يُحتجّ فيها بمثل هذا الحديث الباطل.