وذكر البيهقي١: أن رجلًا أتى عِمران بن حُصين وهو في المسجد، فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثًا في مجلس، فقال: أَثِمَ بربِّه، وحرمت عليه امرأته، فانطلق الرجل، فذكر ذلك لأبي موسى، يريد بذلك عَيْبه، فقال: ألا تَرى أن عمران قال كذا وكذا؟ فقال أبو موسى: أكثر اللهُ فينا مثلَ أبي نُجَيْدٍ.
قالوا: فهذا عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، والحسن بن علي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
وأما التابعون فأكثر من أن يذكروا، والإجماع يَثبت بدون هذا، ولهذا حكاه غير واحد منهم أبو بكر بن العَرَبي٢ وأبو بكر الرازي٣، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، فإنه قال في رواية الأثرم، وذكر قول من قال: إذا خالف السنة يُرَدّ إلى السنة، وليس بشيء، وقال: هذا مذهب الرافضة.
وظاهر هذا: أن القول بالوقوع إجماع أهل السنة.
وقال الآخرون: قد عرفتم ما في دعوى الإجماع الذي لم يُعلم له مخالف، أنه راجع إلى عدم العلم، لا إلى العلم بانتفاء المخالف، وعدم
(١) السنن الكبرى (٧/ ٣٣٢) من طريق حميد الطويل عن واقع بن سحبان عن عمران، وبهذا الإسناد رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٦٠) مختصرًا ليس فيه ذهابُه إلى أبي موسى، والدولابي في الكنى (٣٤٠، ٤٨٩)، والحاكم (٥٩٩٦)، وقد وقع في بعض هذه المصادر المطبوعة: رافع بن سحبان، وهو تحريف.
(٢) أحكام القرآن (١/ ١٩١).
(٣) هو الجصاص، انظر: أحكام القرآن له (١/ ٣٨٨).
العلم ليس بعلم حتى يحتجّ به ويُقدَّم على النصوص الثابتة! هذا إذا لم يُعلم مخالفٌ، فكيف إذا عُلم المخالف؟
وحينئذ فتكون المسألةُ مسألةَ نزاعٍ يجب رَدُّها إلى الله تعالى ورسوله، ومن أبى ذلك فهو إما جاهل مُقَلد، وإما مُتَعصب صاحب هَوًى، عاصٍ لله تعالى ورسوله ﷺ، مُتعرِّضٌ لِلُحُوق الوعيد به؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[النساء: ٥٩].
فإذا ثبت أن المسألة مسألة نزاع وجب قطعًا ردُّها إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذه المسألة مسألة نزاع بلا نزاع بين أهل العلم الذين هم أهلُه، والنزاع فيها من عَهْد الصحابة إلى وقتنا هذا. وبيان هذا من وجوه:
أحدها: ما رواه أبو داود١ وغيره من حديث حَمّاد بن زَيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: إذا قال أنت طالق ثلاثًا بفمٍ واحد فهي واحدة.
وهذا الإسناد على شرط البخاري.
وقال عبد الرزاق٢: أخبرنا مَعْمَر، عن أيوب، قال: دخل الحَكَمُ بن عُتيبة٣ على الزهري بمكة، وأنا معهم، فسألوه عن البِكْر تُطَلَّق ثلاثًا، فقال: سُئل عن ذلك ابنُ عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عَمرو، فكلّهم قالوا: لا