الوجه السادس عشر: أن أبا جَعْفر الطحاويّ حكى القولين في كتابه «تهذيب الآثار»١، فقال: «باب الرجل يطلق امرأته ثلاثًا معًا». ثم ذكر حديث أبي الصهباء، ثم قال: «فذهب قومٌ إلى أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا معًا فقد وقعت عليها واحدة، إذا كانت في وقت سُنّة، وذلك أن تكون طاهرًا في غير جماع، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: لمّا كان الله ﷿ إنما أمر عبادَه أن يُطلِّقوا لوقتٍ على صفةٍ، فطلقوا على غير ما أمرهم به، لم يقع طلاقهم، ألا ترى لو أن رجلًا أمر رجلًا أن يُطلق امرأته في وقتٍ، فطلقها في غيره، أو أمره أن يطلقها على شريطة، فطلقها على غير تلك الشريطة: أن طلاقه لا يقع؛ إذ كان قد خالف ما أُمر به».
ثم ذكر حُجج الآخرين، والجواب عن حُجج هؤلاء على عادة أهل العلم والدِّين في إنصاف مُخالفيهم، والبحث معهم، ولم يَسْلُك طريق جاهل ظالم مُعتدٍ، يَبرُك على رُكبتيه، ويُفَجِّر عينيه، ويَصولُ بمنصبه لا بعلمه، وبسوء قصده لا بحسن فَهْمه، ويقول: القول بهذه المسألة كفر، يوجب ضرب العنق، لِيَبْهَتَ خَصْمه، ويمنعه عن بسط لسانه، والجري معه في ميدانه، والله سبحانه عند لسان كل قائل، وهو له يوم الوقوف بين يديه عمَّا قاله سائل.
الوجه السابع عشر: أن شيخنا ﵀ حكى عن جَدِّه أبي البركات: أنه كان يفتي بذلك أحيانا سرًّا، وقال في بعض مصنفاته٢: هذا قول بعض
وأما بعض أصحاب أبي حنيفة فإنه محمد بن مقاتل، من الطبقة الثانية من أصحاب أبي حنيفة.
وأما بعض أصحاب أحمد، فإن كان أراد إفتاء جَدِّه بذلك أحيانًا وإلا فلم أقفْ على نقل عن أحد منهم.
الوجه الثامن عشر: قال أبو الحسن المتيطيّ١ في «وثائقه» ــ وقد ذكر الخلاف في المسألة ــ ثم قال: «ومن بعض حججهم أيضًا في ذلك: أن الله ﷾ أمر بتفريق الطلاق، بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، وإذا جمع الإنسان ذلك في كلمة كان واحدة، وكان ما زاد عليها لغوًا، كما جعل مالك ﵀ الذي رمي السبع الجمرات في مرة واحدة جمرةً واحدةً»، وبنَى عليها أن الطلاق عندهم مثله، قال: «وممن نصر هذا القول من أهل الفُتيا بالأندلس: أصبغُ بن الحباب، ومحمد بن بَقِيٍّ، ومحمد بن عبد السلام الخُشني، وابن زِنْباع، مع غيرهم من نظرائهم». هذا لفظه.
الوجه التاسع عشر: أن أبا الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الأزدي القُرْطُبي صاحب كتاب «مفيد الحكام فيما يعرض لهم من النوازل والأحكام» ذكر الخلاف بين السلف والخلف في هذه المسألة، حتى ذكر الخلاف فيها في مذهب مالك نفسه، وذكر مَنْ كان يُفتي بها من المالكية، والكتاب مشهور معروف عند أصحاب مالك، كثير الفوائد جدًّا، ونحن نذكر