إغاثة اللهفان

نصّه فيه بلفظه، فنذكر ما ذكره عن ابن١ مُغيث، ثم نُتْبعه كلامه؛ ليُعْلَم أن النقل بذلك معلوم مُتَدَاوَل بين أهل العلم، وأن من قَصُرَ في العلم باعُه، وطال في الجهل والظلم ذراعُه، يُبادر إلى التكفير والعقوبة جهلًا منه وظلمًا، ويَحِقّ له، وهو الدعيّ في العلم٢ ليس منه أقربَ رُحْمًا.

قال ابن هشام: «قال ابن مُغيث: الطلاق ينقسم على ضربين: طلاق السنة، وطلاق البدعة. فطلاق السنة: هو الواقع على الوجه الذي نَدب الشرع إليه، وطلاق البدعة: نقيضه، وهو أن يطلقها في حيضٍ أو نفاسٍ أو ثلاثًا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق.

ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلِّق، كم يلزمه من الطلاق؟

فقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود: يلزمه طلقة واحدة، وقاله ابن عباس، وقال: قوله «ثلاثًا» لا معنى له؛ لأنه لم يطلق ثلاث مرات، وإنما يجوز قوله في ثلاث إذا كان مخبرًا عما مضى، فيقول طلقت ثلاثًا، يخبر عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات، كرجل قال: قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات، فذلك يصح، ولو قرأها مرة واحدة، فقال: قرأتها ثلاث مرات، كان كاذبًا. وكذلك لو حلف بالله ثلاثًا يُرَدِّد الحَلِفَ كانت ثلاثة أيمان، ولو قال: أحلف بالله ثلاثًا لم يكن حلف إلا يمينًا واحدة، والطلاق مثله.

ومثله قال الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف ﵄، رُوِّينا ذلك كله عن ابن وَضّاح.

  1. (١) كذا في ح، وباقي النسخ: «أبي».
  2. (٢) «في العلم» ساقطة من م.
567

وبه قال من شيوخ قرطبة: ابن زِنباع شيخُ هُدًى، ومحمد بن بَقِيِّ بن مَخْلَد، ومحمد بن عبد السلام الخُشَني فقيه عصره، وأصْبَغُ بن الحباب، وجماعة سواهم من فقهاء قُرْطُبة.

وكان من حجة ابن عباس: أن الله تعالى فَرّق في كتابه لفظ الطلاق، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، يريد أكثر الطلاق الذي يمكن بعده الإمساك بالمعروف، وهو الرجعة في العدة، ومعنى قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضي عدتها، وفى ذلك إحسان إليه وإليها إن وقع نَدَمٌ منهما، قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، يريد الندَمَ على الفرقة، والرغبةَ في المراجعة. ومُوقعُ الثلاث غيرُ محسن؛ لأنه ترك المندوحة التي وسّع الله تعالى بها ونَبّه عليها، فذكر الله ﷾ لفظ الطلاق مُفَرَّقًا، فدلَّ على أنه إذا جُمع أنه لفظ واحد. فتدبَّرْه.

وقد يخرج من غير ما مسألة من الرواية١ ما يدل على ذلك، من ذلك قول الرجل: مالي صدقة في المساكين، أن الثلث من ذلك يجزئه.

هذا كله لفظ صاحب الكتاب بحروفه.

أفَتَرى الجاهل الظالم المعتدي يجعل هؤلاء كلهم كفارًا مباحةً دماؤهم؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾! بل هؤلاء من أكابر أهل العلم والدِّين، وذنبهم عند أهل العمى أهل التقليد: كونهم لم يرضَوا لأنفسهم بما رضي به المقلدون، وردُّوا ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله.

  1. (١) م: «المدونة».
568

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي