إغاثة اللهفان

وَتِلْكَ شَكاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا١

الوجه العشرون: أن هذا مذهب أهل الظاهر داود وأصحابه، وذَنْبهم عند كثير من الناس أخذهم بكتاب ربهم وسنّة نبيهم، ونبذُهم القياسَ وراء ظهورهم، فلم يعبأوا به شيئًا.

وخالفهم أبو محمد بن حَزْم في ذلك، فأباح جمع الثلاث وأوقعها٢.

فهذه عشرون وجهًا في إثبات النزاع في هذه المسألة، بحسب بضاعتنا المُزْجاة من الكتب، وإلا فالذي لم نقف عليه من ذلك كثير.

وقد حكى ابن وَضّاح وابن مُغيث ذلك عن علي، وابن مسعود، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، ولعله إحدى الروايتين عنهم، وإلا فقد صح بلا شكٍّ عن ابن مسعود، وعلي، وابن عباس: الإلزام بالثلاث لمن أوقعها جملة، وصحّ عن ابن عباس أنه جعلها واحدة، ولم نقف على نقل صحيح عن غيرهم من الصحابة بذلك، فلذلك لم نَعُدّ ما حُكي عنهم في الوجوه المبينة للنزاع، وإنما نعدّ ما وقفنا عليه في مواضعه، ونعزوه إليها، وبالله التوفيق.

فإن قيل: فقد ذكرتم أعذار الأئمة الملزمين بالثلاث عن تلك الأحاديث المخالفة لقولهم، فما عذركم أنتم عن أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين المحدَّث المُلْهَم، الذي أُمِرنا باتباع سنته والاقتداء به؟ أفتطعنون به

  1. (١) صدره: وعيَّرها الواشون أني أحبُّها
    والبيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين (١/ ٧٠)، وخزانة الأدب (٤/ ١٥٣)، ولسان العرب (شكا).
  2. (٢) انظر: المحلى (١٠/ ١٧٠).
569

أنه كان يرى رسول الله ﷺ وخليفته من بعده والصحابة في عهده يجعلون الثلاث واحدة، مع أنه أيسر على الأمة وأسهل، وأبعد من الحرج، ثم يَعْمِد إلى مخالفة ذلك برأيه، ويُلزم الأمة بالثلاث من قِبل نفسه، فيُضيِّق عليهم ما وسَّعه الله تعالى، ويُعسِّر ما سَهّله، ويَسُدّ ما فتحه، ويُحرج ما فَسَحه، ثم يُتابعه على ذلك أكابر الصحابة، ويوافقونه، ولا يخالفونه؟

ثم هَبْ أنهم خافوا منه في حياته، وكلّا فإنه كان أتقى لله ﷾ من ذلك، وكان إذا بيّنت له المرأةُ ما خَفِي عليه من الحق رجع إليه، وكان الصحابة أتقى لله تعالى وأعلم به أن يأخذهم لومة لائم في الحق، وأن يمسكوا عنه خوفًا من عمر ﵁. فقد دار الأمر بين القَدْح في عمر ﵁ والصحابة معه، وبين رَدِّ تلك الأحاديث: إما لضعفها، وإما لنَسْخها، وخفي علينا الناسخ، وإما بتأويلها وحَمْلها على مَحمِل يصحّ، ولا ريب أن هذا أولى لِتَوْفية حَق الصحابة ﵃، الذين هُمْ أعلم بالله تعالى ورسوله ﷺ مِن جميع مَنْ بعدَهم.

قيل: لعَمْرُ الله، وإن هذا لسؤالٌ يُورِد أمثالَه أهلُ العلم، وإنه ليحتاج إلى جواب شافٍ كافٍ، فنقول:

الناس هنا طائفتان: طائفة اعتذرت عن هذه الأحاديث لأجل عمر ومَنْ وافقه، وطائفة اعتذرت عن عمر ﵁، ولم تردَّ الأحاديث.

فقالوا: الأحكام نوعان:

نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة، ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرَّمات، والحدود المقدّرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك. فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا

570

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي