والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا، كمقادير التّعْزيراتِ، وأجناسها، وصفاتها؛ فإن الشارع يُنوِّعُ فيها بحَسْبِ المصلحة:
فشرعَ التعزيرَ بالقَتْلِ لمدمِن الخمر في المرَّة الرابعة١.
وعَزَمَ على التعزير بتَحْريق البيوت على المتخلِّف عن حضور الجماعة٢، لولا ما منعه من تَعَدِّي العقوبة إلى غير مَنْ يَستَحِقّها من النساء والذّرية.
وعَزّرَ بحِرْمان النصيب المستحَق من السّلَب٣.
وأخبر عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شَطْرِ ماله٤.
وعَزّر بالعقوبات المالية في عدّة مواضع.
وعَزّر مَنْ مَثّل بعَبْدِه بإخراجه عنه وإعتاقه عليه٥.
(١) أخرجه النسائي (٨/ ٣١٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٧١) عن ابن عمر، وإسناده صحيح. وفي الباب عن جماعة من الصحابة. وللعلامة أحمد محمد شاكر بحث مطوَّل في الكلام على هذا الحديث روايةً ودرايةً في تعليقه على المسند (٩/ ٤٩ ــ ٩٢).
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٦٥١) عن أبي هريرة.
(٣) أخرجه مسلم (١٧٥٣) عن عوف بن مالك.
(٤) أخرجه أبو داود (١٥٧٥)، والنسائي (٥/ ٢٥)، وأحمد (٥/ ٢، ٤) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وهو حديث حسن.
(٥) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٢، ٢٢٥)، وأبو داود (٤٥١٩)، وابن ماجه (٢٦٨٠)، وهو حديث حسن.
وعَزّر بتَضْعِيف الغُرْم على سارق ما لا قَطْع فيه، وكاتم الضالّة١.
وعزّر بالهجر ومَنْع قربان النساء٢.
ولم يُعرف أنه عَزّر بدِرّة، ولا حَبْسٍ، ولا سَوْطٍ، وإنما حَبَس في تُهمةٍ لِيتبيّن حال المتهم٣.
وكذلك أصحابه، تنوّعوا في التعزيرات بعده:
فكان عمر ﵁ يَحلق الرأس، وينفي، ويضرب، ويُحرّق حوانيت الخمَّارين، والقرية التي تُباع فيها الخمر، وحرّق قصر سعدٍ بالكوفة لما احتجب فيه عن الرعية٤.
وكان له رضي الله تعالى عنه في التعزير اجتهادٌ وافقه عليه الصحابة
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٩٠)، والترمذي (١٢٨٩)، والنسائي (٨/ ٨٤، ٨٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وإسناده حسن.
(٢) أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩) عن كعب بن مالك.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٦٣٠)، والترمذي (١٤١٧)،والنسائي (٨/ ٦٧) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال الترمذي: حديث حسن.
(٤) خبر حَرقِ عمر بابَ قصرِ سعد رواه ابن المبارك في الزهد (٥١٣)، وأحمد (١/ ٥٥) ــ ومن طريقه الحاكم (٧٣٠٨) ـ، وابن صاعد في زوائد الزهد (٥١٤ - ٥١٨)، والطبراني في الكبير (١/ ١٤٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، من طرقٍ عن عَباية بن رفاعة بذلك في قصّة، قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٣٠٦): «رجاله رجال الصحيح، إلا أنّ عباية لم يسمع من عمر»، وحكم بانقطاعه أيضًا ابن حجر في المطالب العالية (٩/ ٦٣٩)، وحسّن إسناده الذهبي في التلخيص، وكأنّ ابن تيمية صحّحه في المجموع (٢٨/ ١١١)، وكذا المصنّف في الطرق الحكمية (ص ٣٧٨).