وعَزّر بتَضْعِيف الغُرْم على سارق ما لا قَطْع فيه، وكاتم الضالّة١.
وعزّر بالهجر ومَنْع قربان النساء٢.
ولم يُعرف أنه عَزّر بدِرّة، ولا حَبْسٍ، ولا سَوْطٍ، وإنما حَبَس في تُهمةٍ لِيتبيّن حال المتهم٣.
وكذلك أصحابه، تنوّعوا في التعزيرات بعده:
فكان عمر ﵁ يَحلق الرأس، وينفي، ويضرب، ويُحرّق حوانيت الخمَّارين، والقرية التي تُباع فيها الخمر، وحرّق قصر سعدٍ بالكوفة لما احتجب فيه عن الرعية٤.
وكان له رضي الله تعالى عنه في التعزير اجتهادٌ وافقه عليه الصحابة
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٩٠)، والترمذي (١٢٨٩)، والنسائي (٨/ ٨٤، ٨٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وإسناده حسن.
(٢) أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩) عن كعب بن مالك.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٦٣٠)، والترمذي (١٤١٧)،والنسائي (٨/ ٦٧) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال الترمذي: حديث حسن.
(٤) خبر حَرقِ عمر بابَ قصرِ سعد رواه ابن المبارك في الزهد (٥١٣)، وأحمد (١/ ٥٥) ــ ومن طريقه الحاكم (٧٣٠٨) ـ، وابن صاعد في زوائد الزهد (٥١٤ - ٥١٨)، والطبراني في الكبير (١/ ١٤٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، من طرقٍ عن عَباية بن رفاعة بذلك في قصّة، قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٣٠٦): «رجاله رجال الصحيح، إلا أنّ عباية لم يسمع من عمر»، وحكم بانقطاعه أيضًا ابن حجر في المطالب العالية (٩/ ٦٣٩)، وحسّن إسناده الذهبي في التلخيص، وكأنّ ابن تيمية صحّحه في المجموع (٢٨/ ١١١)، وكذا المصنّف في الطرق الحكمية (ص ٣٧٨).
لكمال نُصْحه، ووفور عِلْمِه، وحسن اختياره للأمّة، وحدوث أسبابٍ اقتضت تَعْزيره لهم بما يَرْدَعهم، لم يكن مثلها على عهد رسول الله ﷺ إذ كانت، ولكن زاد الناس عليها وتتايعوا فيها.
فمن ذلك: أنهم لما زادوا في شرب الخمر، وتتايعوا فيه، وكان قليلًا على عهد رسول الله ﷺ، جعله عمر ﵁ ثمانين، ونفى فيه١.
ومن ذلك: اتخاذه دِرّة يضرب بها من يستحقُّ الضرب٢.
ومن ذلك: اتخاذه دارًا للسَّجن٣.
ومن ذلك: ضربه للنوائح حتى بدا شَعْرها٤.
وهذا باب واسع، اشتبه فيه على كثيرٍ من الناس الأحكامُ الثابتة اللازمة
(١) روى البخاري (٦٣٩٧) عن السائب بن يزيد قال: كنّا نُؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرةِ أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديَتنا، حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين، حتى إذا عتَوا وفسقوا جلد ثمانين. وليس فيه ذكر النفي.
(٢) انظر: مصنف عبد الرزاق (١٠/ ٤١٦).
(٣) علّقه البخاري بمعناه بصيغة الجزم في كتاب الخصومات، باب: الربط والحبس في الحرم، وهو موصول عند عبد الرزاق (٥/ ١٤٧)، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ١٥٨)، وابن أبي شيبة (٥/ ٧)، والفاكهي في أخبار مكة (٢٠٧٦)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٣٤).
(٤) رواه عبد الرزاق (٣/ ٥٥٧) من طريق عمرو بن دينار ونصر بن عاصم ــ فرّقهما ــ عن عمر بمعناه، ورواه ابن شبّة في تاريخ المدينة (١٣٦٠) من طريق الأوزاعي، والثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٩٩) من طريق أبان بن أبي عياش عن الحسين، كلاهما عن عمر بمعناه.