إغاثة اللهفان

لكمال نُصْحه، ووفور عِلْمِه، وحسن اختياره للأمّة، وحدوث أسبابٍ اقتضت تَعْزيره لهم بما يَرْدَعهم، لم يكن مثلها على عهد رسول الله ﷺ إذ كانت، ولكن زاد الناس عليها وتتايعوا فيها.

فمن ذلك: أنهم لما زادوا في شرب الخمر، وتتايعوا فيه، وكان قليلًا على عهد رسول الله ﷺ، جعله عمر ﵁ ثمانين، ونفى فيه١.

ومن ذلك: اتخاذه دِرّة يضرب بها من يستحقُّ الضرب٢.

ومن ذلك: اتخاذه دارًا للسَّجن٣.

ومن ذلك: ضربه للنوائح حتى بدا شَعْرها٤.

وهذا باب واسع، اشتبه فيه على كثيرٍ من الناس الأحكامُ الثابتة اللازمة

  1. (١) روى البخاري (٦٣٩٧) عن السائب بن يزيد قال: كنّا نُؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرةِ أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديَتنا، حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين، حتى إذا عتَوا وفسقوا جلد ثمانين. وليس فيه ذكر النفي.
  2. (٢) انظر: مصنف عبد الرزاق (١٠/ ٤١٦).
  3. (٣) علّقه البخاري بمعناه بصيغة الجزم في كتاب الخصومات، باب: الربط والحبس في الحرم، وهو موصول عند عبد الرزاق (٥/ ١٤٧)، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ١٥٨)، وابن أبي شيبة (٥/ ٧)، والفاكهي في أخبار مكة (٢٠٧٦)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٣٤).
  4. (٤) رواه عبد الرزاق (٣/ ٥٥٧) من طريق عمرو بن دينار ونصر بن عاصم ــ فرّقهما ــ عن عمر بمعناه، ورواه ابن شبّة في تاريخ المدينة (١٣٦٠) من طريق الأوزاعي، والثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٩٩) من طريق أبان بن أبي عياش عن الحسين، كلاهما عن عمر بمعناه.
573

التي لا تتغير، بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودًا وعدمًا.

ومن ذلك: أنه ﵁ لما رأى الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث، ورأى أنهم لا ينتهون عنه إلا بعقوبة، فرأى إلزامهم بها عقوبةً لهم، ليكفّوا عنها.

وذلك إما من التعزير العارض الذي يُفعل عند الحاجة، كما كان يضرب في الخمر ثمانين، ويحلق فيها الرأس، وينفى عن الوطن، وكما منع النبي ﷺ الثلاثة الذين خُلِّفوا عنه عن الاجتماع بنسائهم. فهذا له وجه.

وإما ظنًّا أن جعل الثلاث واحدةً كان مشروطًا بشرطٍ، وقد زال، كما ذهب إلى ذلك في مُتْعة الحج، إما مُطلقًا، وإما مُتعة الفسخ. فهذا وجهٌ آخر.

وإما لقيام مانع قام في زمنه، منعَ١ من جعل الثلاث واحدة، كما قام عنده مانعٌ من بَيْع أمّهات الأولاد٢، ومانعٌ من أخذ الجزية من نصارى بني تَغْلِب٣، وغير ذلك. فهذا وجه ثالث.

فإن الحكم ينتفي لانتفاء شروطه، أو لوجود مانعه، والإلزام بالفرقة فسخًا أو طلاقًا لمن لم يَقُم بالواجب: مما يسوغ فيه الاجتهاد.

لكن تارة يكون حقًّا للمرأة، كما في العِنّةِ، والإيلاء، والعجز عن النفقة، والغيبة الطويلة عند من يرى ذلك، وتارة يكون حقًّا للزوج، كالعيوب المانعة له من استيفاء المعقود عليه، أو كماله، وتارة يكون حقًّا لله تعالى، كما في

  1. (١) «منع» ساقطة من م.
  2. (٢) أخرجه أبو داود (٣٩٥٤) عن جابر بن عبد الله.
  3. (٣) انظر: الأموال لأبي عبيد (٧١)، والخراج ليحيى بن آدم (٢٠٦).
574

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي