يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]، فمن طلّق على غير تقوى الله كان حقيقًا أن لا يجعلَ الله له مخرجًا، وأن لا يجعل له من أمره يسرًا.
وقد أشار إلى هذا بعينه الصحابةُ، حيث قال ابن عباس وابن مسعود١ لمن طلّق ثلاثًا جميعًا: إنك لم تتق الله، فيجعل لك مخرجًا.
وقال شُعبة٢، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: سُئِل ابنُ عباسٍ عن رجل طلّق امرأته مئةً، فقال: عصيتَ ربك، وبانتْ منك امرأتك، إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾[الطلاق: ٢].
وقال الأعمش٣ عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس: أن رجلًا أتاه، فقال: إن عَمِّي طلق امرأته ثلاثًا، فقال: إن عمَّك عصى الله فأندمه الله تعالى، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجًا، فقال: أفلا يُحلِّلها له رجل؟ فقال: مَنْ يُخادعِ الله يَخْدَعْه.
والله تعالى قد جَرَتْ سُنَّته في خلقه بأن يُحرِّم الطيبات شرعًا وقَدرًا على من ظَلَم وتعدّى حدوده، وعصى أمره، وأن يُيسِّر للعُسْرَى مَنْ بَخِلَ بما أمرَهُ به فلم يفعله، واستغنى عن طاعته باتباع شهوته وهواه، كما أنه سبحانهُ يُيسِّر لليُسْرَى مَنْ أعطَى واتّقى، وصدّق بالحُسْنَى.
فهذا نهاية إقدام الناس في باب الطلاق.
(١) هذا مشهور عن ابن عباس، وقد تقدّم تخريجه، ولم أقف عليه بهذا اللفظ عن ابن مسعود.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
يبقى أن يقال: فإذا خفيَ على أكثر الناس حكم الطلاق، ولم يُفَرِّقوا بين الحلال والحرام منه جهلًا، وأوقعوا الطلاق المحرّم يظنونه جائزًا، هل يَسْتَحِقّون العقوبة بالإلزام به؛ لكونهم لم يتعلموا دينهم الذي أمرهم الله تعالى به، وأعرضوا عنه، ولم يسألوا أهل العلم كيف يطلقون؟ وماذا أبيح لهم من الطلاق؟ وماذا يحرم عليهم منه؟ أم يُقال: لا يستحقون العقوبة؛ لأن الله سبحانه لا يعاقب شرعًا ولا قدرًا إلا بعد قيام الحجة، ومخالفة أمره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[الإسراء: ١٥]؟ وأجمعَ الناس على أن الحدود لا تجب إلا على عالم بالتحريم، متعمدٍ لارتكاب أسبابها، والتعزيراتُ مُلْحَقة بالحدود.
فهذا موضع نظر واجتهاد، وقد قال النبي ﷺ: «التائبُ من الذنبِ كَمَنْ لا ذنبَ له»١، فمن طلّق على غير ما شرعه الله تعالى وأباحه جاهلًا، ثم علمَ
(١) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٥٠) ــ وعنه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١٠) ـ، والدارقطني في العلل (٥/ ٢٩٧)، والسهمي في تاريخ جرجان (٦٧٤)، وغيرهم من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود مرفوعًا، وفي إسناده اختلاف، وأعلّه البيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥٤) وقال: «ورُوي من أوجه ضعيفة»، وأعلّه بالانقطاع المنذري في الترغيب (٤/ ٤٨)، وابن مفلح في الآداب الشرعية (١/ ١١٧)، والهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٣٠)، والهيتمي في الزواجر (٢/ ٩٥٦)، وحسّن إسناده ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٧١)، قال السخاوي في المقاصد (١/ ٢٤٩): «يعني لشواهده، وإلا فأبو عبيدة جزم غير واحد بأنه لم يسمع من أبيه»، ولكن قال ابن رجب في الفتح (٧/ ٣٤٢): أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه. وحسّنه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢/ ٨٣). وفي الباب عن أنس وابن عباس وأبي سعد الأنصاري وأبي عنبة الخولاني وعائشة.