إغاثة اللهفان

يبقى أن يقال: فإذا خفيَ على أكثر الناس حكم الطلاق، ولم يُفَرِّقوا بين الحلال والحرام منه جهلًا، وأوقعوا الطلاق المحرّم يظنونه جائزًا، هل يَسْتَحِقّون العقوبة بالإلزام به؛ لكونهم لم يتعلموا دينهم الذي أمرهم الله تعالى به، وأعرضوا عنه، ولم يسألوا أهل العلم كيف يطلقون؟ وماذا أبيح لهم من الطلاق؟ وماذا يحرم عليهم منه؟ أم يُقال: لا يستحقون العقوبة؛ لأن الله سبحانه لا يعاقب شرعًا ولا قدرًا إلا بعد قيام الحجة، ومخالفة أمره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]؟ وأجمعَ الناس على أن الحدود لا تجب إلا على عالم بالتحريم، متعمدٍ لارتكاب أسبابها، والتعزيراتُ مُلْحَقة بالحدود.

فهذا موضع نظر واجتهاد، وقد قال النبي ﷺ: «التائبُ من الذنبِ كَمَنْ لا ذنبَ له»١، فمن طلّق على غير ما شرعه الله تعالى وأباحه جاهلًا، ثم علمَ

  1. (١) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٥٠) ــ وعنه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١٠) ـ، والدارقطني في العلل (٥/ ٢٩٧)، والسهمي في تاريخ جرجان (٦٧٤)، وغيرهم من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود مرفوعًا، وفي إسناده اختلاف، وأعلّه البيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥٤) وقال: «ورُوي من أوجه ضعيفة»، وأعلّه بالانقطاع المنذري في الترغيب (٤/ ٤٨)، وابن مفلح في الآداب الشرعية (١/ ١١٧)، والهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٣٠)، والهيتمي في الزواجر (٢/ ٩٥٦)، وحسّن إسناده ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٧١)، قال السخاوي في المقاصد (١/ ٢٤٩): «يعني لشواهده، وإلا فأبو عبيدة جزم غير واحد بأنه لم يسمع من أبيه»، ولكن قال ابن رجب في الفتح (٧/ ٣٤٢): أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه. وحسّنه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢/ ٨٣). وفي الباب عن أنس وابن عباس وأبي سعد الأنصاري وأبي عنبة الخولاني وعائشة.
580

به فندم وتاب، فهو حقيق بأن لا يُعاقَب، وأن يُفْتَى بالمخرج الذي جعله الله تعالى لمن اتّقاه، ويُجعَل له من أمره يُسرًا.

والمقصود أن الناس لابدّ لهم في باب الطلاق من أحد ثلاثة أبواب يدخلون منها:

أحدها: باب العلم والاعتدال الذي بعث الله تعالى به رسوله ﷺ، وشرعه للأمة، رحمةً بهم وإحسانًا إليهم.

والثاني: باب الآصار والأغلال الذي فيه من العُسْرِ والشدّة والمشقة ما فيه.

والثالث: باب المكر والاحتيال الذي فيه من الخداع والتحيّل، والتلاعب بحدود الله تعالى، واتخاذ آياته هُزُوًا، ما فيه.

ولكل باب من المطلِّقين وغيرهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ.

فصل

ومن مكايده التي كاد بها الإسلام وأهله: الحِيَلُ، والمكر، والخداع [٨٠ ب] الذي يتضمن تحليلَ ما حَرّمه الله، وإسقاط ما فَرضه، ومضادّتَه في أمره ونهيه، وهي من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذَمّه.

فإن الرأي رأيان: رأيٌ يوافق النصوص، وتشهد له بالصحة والاعتبار، فهو الذي اعتبره السلف وعملوا به.

ورأيٌ يخالف النصوص، وتشهدُ له بالإبطال والإهْدار، فهو الذي ذَمُّوه وأنكروه.

581

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي