إغاثة اللهفان

به فندم وتاب، فهو حقيق بأن لا يُعاقَب، وأن يُفْتَى بالمخرج الذي جعله الله تعالى لمن اتّقاه، ويُجعَل له من أمره يُسرًا.

والمقصود أن الناس لابدّ لهم في باب الطلاق من أحد ثلاثة أبواب يدخلون منها:

أحدها: باب العلم والاعتدال الذي بعث الله تعالى به رسوله ﷺ، وشرعه للأمة، رحمةً بهم وإحسانًا إليهم.

والثاني: باب الآصار والأغلال الذي فيه من العُسْرِ والشدّة والمشقة ما فيه.

والثالث: باب المكر والاحتيال الذي فيه من الخداع والتحيّل، والتلاعب بحدود الله تعالى، واتخاذ آياته هُزُوًا، ما فيه.

ولكل باب من المطلِّقين وغيرهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ.

فصل

ومن مكايده التي كاد بها الإسلام وأهله: الحِيَلُ، والمكر، والخداع [٨٠ ب] الذي يتضمن تحليلَ ما حَرّمه الله، وإسقاط ما فَرضه، ومضادّتَه في أمره ونهيه، وهي من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذَمّه.

فإن الرأي رأيان: رأيٌ يوافق النصوص، وتشهد له بالصحة والاعتبار، فهو الذي اعتبره السلف وعملوا به.

ورأيٌ يخالف النصوص، وتشهدُ له بالإبطال والإهْدار، فهو الذي ذَمُّوه وأنكروه.

581

وكذلك الحيل نوعان: نوع يُتَوَصَّل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه والتخلُّص من الحرام، وتخليص الحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي. فهذا النوع محمودٌ يُثاب فاعله ومُعَلِّمه.

ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرّمات، وقلب المظلوم ظالمًا والظالم مظلومًا، والحق باطلًا والباطل حقًا. فهذا النوع الذي اتفق السلف على ذمّه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض.

وقال الإمام أحمد ﵀: لا يجوز شيءٌ من الحيل في إبطال حق مسلم.

وقال الميموني: قلت لأبى عبد الله: من حلف على اليمين ثم احتال لإبطالها، فهل تجوز تلك الحيلة؟ قال: نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز، قلت: أليس حيلتنا فيها أن نَتَّبع ما قالوا، وإذا وجدنا لهم قولًا في شيء اتَّبعناه؟ قال: بلى، هكذا هو، قلت: أوَليس هذا منا نحن حيلةً؟ قال: نعم.

فبيّن الإمام أحمد: أن مَن اتبع ما شُرع له وجاء عن السلف في معاني الأسماء التي عُلّقت بها الأحكام، ليس بمحتالٍ الحيل المذمومة، وإن سُميت حيلة، فليس الكلام فيها.

وغرضُ الإمام أحمد بهذا: الفرقُ بين سلوك الطريق المشروعة التي شُرعت لحصول مقصود الشارع، وبين الطريق التي تُسلك لإبطال مقصوده.

فهذا هو سِرّ الفرق بين النوعين، وكلامنا الآن في النوع الثاني.

582

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي