إغاثة اللهفان

وأقرضت ــ غير مريد لحقائقه الشرعية المطلوبة منها، بل مريدًا لأمور أخرى غير ما شُرِعت له، أو ضدّ ما شُرِعت له ــ مخادعًا. ذاك مخادعٌ في أصل الإيمان، وهذا مخادع في أعماله وشرائعه.

قال شيخنا١ ﵀: وهذا ضرب من النفاق في آيات الله تعالى وحدوده، كما أن الأول نفاق في أصل الدين.

يؤيد ذلك ما رواه سعيد بن منصور٢ عن ابن عباس ﵄: أنه جاءه رجل، فقال: إن عَمي طلق امرأته ثلاثًا، أيُحِلّها له رجل؟ فقال: مَنْ يُخادعِ الله يخدعْه.

وعن أنس٣ بن مالك٤: أنه سئل عن العِينَة، يعني بيع الحريرة، فقال: إن الله تعالى لا يُخْدَع، هذا ما حرّم الله تعالى ورسوله.

رواه أبو جعفر محمد بن سليمان الحافظ المعروف بِمُطَيَّن في كتاب «البيوع» له.

وعن ابن عباس٥: أنه سئل عن العِينة، يعني بيع الحريرة، فقال: إن الله لا يُخْدَع، هذا ممّا حرّم الله تعالى ورسوله.

رواه الحافظ أبو محمد النَّخْشَبِيُّ.

  1. (١) بيان الدليل (ص ٣١).
  2. (٢) سنن سعيد بن منصور (١٠٦٥)، ومن طريقه ابن بطة في إبطال الحيل (ص ٤٨) وابن حزم في المحلى (١٠/ ١٨١) والبيهقي (٧/ ٣٣٧).
  3. (٣) من هنا إلى ص ٦٣٠ خرم في الأصل.
  4. (٤) لم أقف عليه، وقد صحّحه المصنف في إعلام الموقعين (٣/ ١٦١).
  5. (٥) لم أقف عليه، وقد صحّحه المصنف في إعلام الموقعين (٣/ ١٦١).
584

فسمى الصحابةُ من أظهر عقد التبايع ومقصودُه به الربا خداعًا لله، وهم المرجوع إليهم في هذا الشأن، والمعوَّل عليهم في فَهْم القرآن.

وقد تقدم عن عثمان، وعبد الله بن عمر، وغيرهما أنهما قالا في المطلقة ثلاثًا: لا يُحِلُّها إلا نكاح رَغْبة، لا نكاح دُلْسة.

قال أهل اللغة: المدالسة: المخادعة.

وقال أيوب السَّخْتِيَاني١ في المُحْتالين: يُخادعون الله كما يخادعون الصبيان، فلو أتَوْا الأمر عِيانًا كان أهون عليّ.

وقال شَريك بن عبد الله القاضي في «كتاب الحيل»: هو «كتاب المخادعة».

وكذلك المعاهدون إذا أظهروا للرسول ﷺ أنهم يريدون سِلْمه، ومقصودهم بذلك المكْرُ به من حيث لا يشعر، فيظهرون له أمانًا، ويُبطنون له خلافه، كما أن المحلل والمرابي يُظهران النكاح والبيع المقصودين، ومقصود هذا: الطلاقُ بعد استفراش المرأة، ومقصود الآخر: ما تواطآ عليه قبل إظهار العقد من بيع الألف الحالّة بألفٍ ومئتين إلى أجل، فمخالفة ما يدلّ عليه العقد شرعًا أو عُرْفًا خَديعة.

قال٢: وتلخيص ذلك أن مُخادعة الله تعالى حرام، والحيلُ مخادعةٌ لله.

  1. (١) علّقه البخاري عن أيوب مجزومًا به في كتاب الحيل، باب: ما ينهى من الخداع في البيوع، ولفظه: «يخادعون الله كأنما يخادعون آدميًّا، لو أتوا الأمر عيانًا كان أهون عليّ»، قال ابن حجر في الفتح (١٢/ ٣٣٦): «وصله وكيع في مصنفه عن سفيان بن عيينة عن أيوب».
  2. (٢) أي شيخ الإسلام في بيان الدليل (ص ٣٣).
585

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي