إغاثة اللهفان

وقال مالك بن دينار: بلغني أن ريحًا تكون في آخر الزمان وظُلَم، فيفزعُ الناس إلى علمائهم، فيجدونهم قد مُسخوا.

وقد ساق هذه الأحاديث والآثار وغيرها بأسانيدها: ابنُ أبي الدنيا في كتاب «ذَمِّ الملاهي»١.

فالمسخ على صورة القردة والخنازير واقع في هذه الأمة ولا بدّ، وهو واقعٌ في طائفتين:

- علماء السوء الكاذبين على الله ورسوله، الذين قلبوا دين الله تعالى وشرعه، فقلبَ الله تعالى صُورَهم، كما قلبوا دينه.

- والمجاهرين المتَهَتِّكين بالفسق والمحارم.

ومن لم يُمْسَخْ منهم في الدنيا مُسخ في قَبره، أو يوم القيامة.

وقد جاءَ في حديثٍ الله أَعلم بحاله: «يُحشر أكَلَة الربا يوم القيامة في صورة الخنازير والكلاب»٢؛ من أجلِ حيلتهم على الربا، كما مُسخ أصحاب داود لاحتيالهم على أخذ الحيتان يوم السبت.

وبكل حال فالمسخ لأجل الاستحلال بالاحتيال قد جاء في أحاديث كثيرة.

قال شيخنا٣ ﵀: «وإنما ذاك إذا استحلُّوا هذه المحرَّمات

  1. (١) وسبق تخريجها.
  2. (٢) لم أقف عليه. وقد ذكره شيخ الإسلام في بيان الدليل (ص ٤٤) من غير عزو، وقال: الله أعلم بحال هذا الحديث.
  3. (٣) بيان الدليل (ص ٤٥).
592

بالتأويلات الفاسدة؛ فإنهم لو استحلّوها مع اعتقاد أن الرسول ﷺ حرَّمها كانوا كفارًا، ولم يكونوا من أمته، ولو كانوا معترفين بأنها حرام لأوشك أن لا يعاقبوا بالمسخ، كسائر الذين يفعلون هذه المعاصي مع اعترافهم بأنها معصية، ولَمَا قيل فيهم: يَسْتَحِلّون، فإن المستحل للشيء هو الذي يفعله معتقدًا حِلّه، فيُشْبِهُ أن يكون استحلالهم للخمر يعني به: أنهم يُسَمّونَها بغير اسمها، كما جاء١ في الحديث، فيشربون الأنبذة المحرّمة، ولا يسمونها خمرًا، واستحلالُهم المعازف باعتقادهم أن آلات اللهو مجردُ سمع صوت فيه لَذّة، وهذا لا يحرُم كأصوات الطيور، واستحلال الحرير وسائر أنواعه باعتقادهم أنه حلال في بعض الصور، كحال الجرب وحال الحكّة ونحوهما، فيقيسون عليه سائر الأحوال، ويقولون: لا فرق بين حالٍ وحال وهذه التأويلات ونحوها واقعة في الطوائف الثلاثة، الذين قال فيهم عبد الله بن المبارك ﵀:

وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إِلا الملُوكُوَأحْبَارُ سَوءٍ ورُهْبَانُها٢

ومعلوم أنها لا تُغني عن أصحابها من الله شيئًا، بعد أن بَلّغ الرسول ﷺ، وبيّن تحريم هذه الأشياء بيانًا قاطعًا للعذرِ، مُقيمًا للحجة.

والحديث الذي رواه أبو داود٣ بإسناد صحيح من حديث

  1. (١) «جاء» ساقطة من م.
  2. (٢) البيت له في بهجة المجالس (٢/ ٣٣٤)، وتمثل به إبراهيم بن أدهم كما في تاريخ دمشق (٦/ ٣٣٦)، والبداية والنهاية (١٣/ ٥٠٩).
  3. (٣) سنن أبي داود (٣٦٩٠) لكن ليس فيه عنده قوله: «يعزف على رؤوسهم بالمعازف والقينات» إلى آخره، وقد عزاه المصنف فيما مضى لابن ماجه (٤٠٢٠)، وصحّح إسناده، وتقدّم تخريجه هناك.
593

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي