إغاثة اللهفان

رواه أحمد، وأهل «السنن»١؛ وحَسّنه الترمذي.

وقد استدل به الإمام أحمد، وقال: فيه إبطال الحيل٢. ووجه ذلك أن الشارع أثبتَ الخيار إلى حين التفرّق الذي يفعله المتعاقدان بداعية طباعهما، فحرّم رسول الله ﷺ أن يقصد المفارق منعَ الآخر من الاستقالة، وهى طلبُ الفسخ، سواءً كان العقدُ لازمًا أو جائزًا؛ لأنه قصد بالتفرّق غيرَ ما جُعل التفرق في العرف له؛ فإنه قصد به إبطال حق أخيه من الخيار، ولم يوضع التفرقُ لذلك، وإنما جُعل التفرق لذَهاب كلٍّ واحد منهما في حاجته ومصلحته.

الوجه العاشر: ما روى محمد بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبَتِ اليهود، وتستحلّوا محارم الله بأدنى الحيل».

  1. (١) مسند أحمد (٢/ ١٨٣)، سنن أبي داود (٣٤٥٨)، سنن الترمذي (١٢٤٧)، سنن النسائي (٤٤٩٥)، ورواه أيضًا الطحاوي في شرح المشكل (٥٢٥٩، ٥٢٦٠)، والدارقطني (٣/ ٥٠)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٥/ ٢٧١)، وصححه ابن الجارود (٦٢٠)، وابن خزيمة كما في بلوغ المرام (٨٢٧)، والنووي في المجموع (٩/ ١٨٥)، وابن دقيق العيد في الإلمام (١٠١٤)، قال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ١٥٦): «إسناده إلى عمرو صحيح على شرط مسلم»، وحسنه الألباني في الإرواء (١٣١١). وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس وحكيم بن حزام وأبي برزة وسمرة وأبي هريرة وأم عطية وعن ابن أبي مليكة وعطاء مرسلا، لكن ليس فيها النهي عن المفارقة خشية الاستقالة.
  2. (٢) انظر إبطال الحيل لابن بطة (ص ١٠٨).
595

رواه أبو عبد الله بن بَطّة١: حدثنا أحمد بن محمد بن سَلْمٍ، حدثنا الحسن بن الصبّاح الزّعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرٍو.

وهذا إسناد جيد، يصحح مثله الترمذي.

وهو نصٌّ في تحريم استحلال محارم الله تعالى بالحيل، وإنما ذكر ﷺ أدنى الحيل تنبيهًا على أن مثل هذا المحرَّم العظيم الذي قد توعّد الله تعالى عليه بمحاربة من لم ينته عنه.

فمن أسهل الحيل على مَنْ أراد فعله: أن يعطيه مثلًا ألفًا إلا درهمًا باسم القَرْض، ويبيعه خِرْقةً تساوى درهمًا بخمس مئة.

وكذلك المطلِّق ثلاثًا: من أسهل الأشياء عليه أن يُعْطي بعضَ السفهاء عشرة دراهم مثلًا، ويستعيره لِيَنْزُوَ على مطلَّقته، فتطيب له، بخلاف الطريق الشرعي، فإنه يصعب معه عَوْدُها حلالًا؛ إذ من الممكن أن لا يُطَلِّق، بل أن يموت المطلِّق أولًا قبله.

ثم إنه ﷺ نهانا عن التّشَبُّه باليهود، وقد كانوا احتالوا في الاصطياد يوم السبت بأن حفروا خنادق يوم الجمعة، تقعُ فيها الحيتان يوم السبت، ثم يأخذونها يوم الأحد، وهذا عند المحتالين جائز؛ لأن فعل الاصطياد لم يُوجد يوم السبت، وهو عند الفقهاء حرام؛ لأن المقصود هو الكَفّ عما يُنالُ

  1. (١) إبطال الحيل (ص ٤٦ - ٤٧)، وحسن إسناده ابن تيمية كما في المجموع (٢٩/ ٢٩)، وابن كثير في تفسيره (١/ ٢٩٣، ٣/ ٤٩٣)، والسخاوي في الأجوبة المرضية (١/ ٢١٤)، والألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٦٠٨)، وصححه ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (٢/ ٥٣١، ٣/ ٤٢٦).
596

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي