رواه أبو عبد الله بن بَطّة١: حدثنا أحمد بن محمد بن سَلْمٍ، حدثنا الحسن بن الصبّاح الزّعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرٍو.
وهذا إسناد جيد، يصحح مثله الترمذي.
وهو نصٌّ في تحريم استحلال محارم الله تعالى بالحيل، وإنما ذكر ﷺ أدنى الحيل تنبيهًا على أن مثل هذا المحرَّم العظيم الذي قد توعّد الله تعالى عليه بمحاربة من لم ينته عنه.
فمن أسهل الحيل على مَنْ أراد فعله: أن يعطيه مثلًا ألفًا إلا درهمًا باسم القَرْض، ويبيعه خِرْقةً تساوى درهمًا بخمس مئة.
وكذلك المطلِّق ثلاثًا: من أسهل الأشياء عليه أن يُعْطي بعضَ السفهاء عشرة دراهم مثلًا، ويستعيره لِيَنْزُوَ على مطلَّقته، فتطيب له، بخلاف الطريق الشرعي، فإنه يصعب معه عَوْدُها حلالًا؛ إذ من الممكن أن لا يُطَلِّق، بل أن يموت المطلِّق أولًا قبله.
ثم إنه ﷺ نهانا عن التّشَبُّه باليهود، وقد كانوا احتالوا في الاصطياد يوم السبت بأن حفروا خنادق يوم الجمعة، تقعُ فيها الحيتان يوم السبت، ثم يأخذونها يوم الأحد، وهذا عند المحتالين جائز؛ لأن فعل الاصطياد لم يُوجد يوم السبت، وهو عند الفقهاء حرام؛ لأن المقصود هو الكَفّ عما يُنالُ
(١) إبطال الحيل (ص ٤٦ - ٤٧)، وحسن إسناده ابن تيمية كما في المجموع (٢٩/ ٢٩)، وابن كثير في تفسيره (١/ ٢٩٣، ٣/ ٤٩٣)، والسخاوي في الأجوبة المرضية (١/ ٢١٤)، والألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٦٠٨)، وصححه ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (٢/ ٥٣١، ٣/ ٤٢٦).
به الصيد بطريق التسبُّب أو المباشرة.
ومن احتيالهم: أن الله ﷾ لمَّا حرّم عليهم الشحوم تأوّلوا أن المراد نفس إدخاله الفَمَ، وأن الشحم هو الجامد دون المُذاب، فجَمَلوه فباعوه، وأكلوا ثَمَنه، وقالوا: ما أكلنا الشحمَ، ولم ينظروا في أن الله تعالى إذا حَرّم الانتفاع بشيء فلا فرق بين الانتفاع بعينه أو ببدله؛ إذ البدل يسدّ مسدّه، فلا فرق بين حال جُموده وذَوْبِهِ، فلو كان ثمنه حلالًا لم يكن في تحريمه كبير أمر.
وهذا هو:
الوجه الحادي عشر: وهو ما روى ابن عباس، قال: بلغ عمرَ ﵁ أن فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا! ألم يعلَم أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهودَ! حُرِّمت عليهم الشحومُ، فجملوها فباعوها». متفق عليه١.
قال الخطابي٢: «جملوها معناه: أذابوها حتى تصير وَدَكًا، فيزول عنها اسم الشحم، يقال: جَملتُ الشحمَ، وأجملته، واجتملته؛ والجميل: الشحم المذاب».
وعن جابر بن عبد الله، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن الله حَرّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام»، فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحومَ الميتة، فإنه يُطلَى بها السُّفُن، ويُدهنُ بها الجلود، ويَستَصْبِحُ بها الناس؟ فقال: «لا هو حرام»، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: «قاتل الله اليهود! إن الله
(١) أخرجه البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢).
(٢) معالم السنن (٥/ ١٢٨)، وانظر أعلام الحديث (٢/ ١١٠٠).