يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير»١.
وإنما أُتي هؤلاء حيث استحلوا المحرمات بما ظنُّوه من انتفاء الاسم، ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرّم وثبوته، وهذا بعينه هو شبهة اليهود في استحلال بيع الشحم بعد جَمْله، واستحلال أخذ الحِيتان يوم الأحد بما أوقعوها به يوم السبت في الحفائر والشباك من فعلهم يوم الجمعة، وقالوا: ليس هذا صيد يوم السبت، ولا استباحةً لنفس الشحم.
بل الذي يستحل الشراب المسكر زاعمًا أنه ليس خمرًا، مع علمه أن معناه معنى الخمر، ومقصودَه مقصودُه، وعملَه عملُه: أفسدُ تأويلًا؛ فإن الخمر اسم لكل شراب مسكر، كما دلّت عليه النصوص الصحيحة الصريحة، وقد جاء هذا الحديثُ عن النبي ﷺ من وجوه أخرى:
منها: ما رواه النسائي٢ عنه ﷺ: «يشرب ناسٌ
(١) تقدم تخريجه.
(٢) سنن النسائي (٨/ ٣١٢) من طريق شعبة عن أبي بكر بن حفص عن ابن محيريز عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ، وبهذا الإسناد رواه الطيالسي (٥٨٦)، وأحمد (٤/ ٢٣٧)، إلا أنّه وقع عند الطيالسي: عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ أو رجال من أصحاب النبيّ ﷺ، وصحّح إسناده ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى (٦/ ٤٠)، وهو في السلسلة الصحيحة (٤١٤). وطريق شعبة هذه هي في الحقيقة أحدُ الأوجه التي رُوِي بها حديث عبادة التالي.
من أمتي الخمر، يسمُّونها بغير اسمها». وإسناده صحيح.
ومنها: ما رواه ابن ماجه١ عن عُبادة بن الصامت يرفعه: «يشرب ناسٌ من أمتي الخمر يسمُّونها بغير اسمها».
رواه الإمام أحمد٢، ولفظه: «ليستحلنّ طائفة من أمتي الخمر».
ومنها: ما رواه ابن ماجه٣ أيضًا من حديث أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تذهبُ الليالي والأيام حتى تَشربَ طائفة من أمتي الخمر، يسمُّونها بغير اسمها».
فهؤلاء إنما شربوا الخمر استحلالًا، لمّا ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع عليه اللفظ، وأن ذلك اللفظ لا يتناول ما استحلوه، وكذلك شُبْهتهم في استحلال الحرير والمعازف، فإن الحرير قد أبيح للنساء، وأبيح للضرورة، وفى الحرب، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾
(١) سنن ابن ماجه (٣٣٨٥) من طريق بلال بن يحيى عن أبي بكر بن حفص عن ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة نحوه، وبهذا الإسناد رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٦٨)، وابن أبي الدنيا في ذم المسكر (٨)، والضياء في المختارة (٨/ ٢٥٥، ٢٥٦)، وفي إسناده اختلاف، قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١١٩): «ثابت بن السمط مستور، وبقية رجاله ثقات»، وحسّن إسناده ابن حجر في الفتح (١٠/ ٥١)، والمناوي في التيسير (٢/ ٥٦٣)، وهو في السلسلة الصحيحة (٩٠).
(٢) مسند أحمد (٥/ ٣١٨) من طريق بلال بن يحيى العبسي به.
(٣) سنن ماجه (٣٣٨٤) عن العباس بن الوليد عن عبد السلام بن عبد القدوس عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي أمامة، وبهذا الإسناد رواه الطبراني في الكبير (٨/ ٩٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٧)، إلا أنه وقع عند الطبراني: عبد الصمد بن عبد القدوس، قال أبو حاتم كما في العلل (٢/ ٣١): «هذا حديث منكر، عبد السلام بن عبد القدوس بن حبيب لا أعرفه». ورواه الطبراني في مسند الشاميين (٤٣٠) عن محمد بن هارون عن العباس عن عبد السلام به، إلا أنه جعله من مسند أبي هريرة. وفي الباب أيضًا عن ابن عباس وكيسان أو نافع بن كيسان وعائشة.