إغاثة اللهفان

من أمتي الخمر، يسمُّونها بغير اسمها». وإسناده صحيح.

ومنها: ما رواه ابن ماجه١ عن عُبادة بن الصامت يرفعه: «يشرب ناسٌ من أمتي الخمر يسمُّونها بغير اسمها».

رواه الإمام أحمد٢، ولفظه: «ليستحلنّ طائفة من أمتي الخمر».

ومنها: ما رواه ابن ماجه٣ أيضًا من حديث أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تذهبُ الليالي والأيام حتى تَشربَ طائفة من أمتي الخمر، يسمُّونها بغير اسمها».

فهؤلاء إنما شربوا الخمر استحلالًا، لمّا ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع عليه اللفظ، وأن ذلك اللفظ لا يتناول ما استحلوه، وكذلك شُبْهتهم في استحلال الحرير والمعازف، فإن الحرير قد أبيح للنساء، وأبيح للضرورة، وفى الحرب، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾

  1. (١) سنن ابن ماجه (٣٣٨٥) من طريق بلال بن يحيى عن أبي بكر بن حفص عن ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة نحوه، وبهذا الإسناد رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٦٨)، وابن أبي الدنيا في ذم المسكر (٨)، والضياء في المختارة (٨/ ٢٥٥، ٢٥٦)، وفي إسناده اختلاف، قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١١٩): «ثابت بن السمط مستور، وبقية رجاله ثقات»، وحسّن إسناده ابن حجر في الفتح (١٠/ ٥١)، والمناوي في التيسير (٢/ ٥٦٣)، وهو في السلسلة الصحيحة (٩٠).
  2. (٢) مسند أحمد (٥/ ٣١٨) من طريق بلال بن يحيى العبسي به.
  3. (٣) سنن ماجه (٣٣٨٤) عن العباس بن الوليد عن عبد السلام بن عبد القدوس عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي أمامة، وبهذا الإسناد رواه الطبراني في الكبير (٨/ ٩٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٧)، إلا أنه وقع عند الطبراني: عبد الصمد بن عبد القدوس، قال أبو حاتم كما في العلل (٢/ ٣١): «هذا حديث منكر، عبد السلام بن عبد القدوس بن حبيب لا أعرفه». ورواه الطبراني في مسند الشاميين (٤٣٠) عن محمد بن هارون عن العباس عن عبد السلام به، إلا أنه جعله من مسند أبي هريرة. وفي الباب أيضًا عن ابن عباس وكيسان أو نافع بن كيسان وعائشة.
601

[الأعراف: ٣٢]، والمعازف قد أبيح بعضها في العُرْس ونحوه، وأبيح الحُداء، وأبيح بعض أنواع الغناء. وهذه الشبهة أقوى بكثير من شُبه أصحاب الحيل.

فإذا كان من عقوبة هؤلاء أن يُمسخ بعضهم قردة وخنازير، فما الظن بعقوبة مَنْ جُرْمُهم أعظم، وفعلهم أقبح؟

فالقوم الذين يُخسَف بهم ويُمسَخون إنما فُعل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد، الذي استحلوا به المحارم بطريق الحيلة، وأعرضوا عن مقصود الشارع وحكمته في تحريم هذه الأشياء، ولذلك مُسخوا قردة وخنازير، كما مُسخ أصحاب السبت بما تأولوا من التأويل الفاسد، الذي استحلوا به المحارم، وخُسف ببعضهم كما خُسف بقارون؛ لأن في الخمر والحرير والمعازف من الكِبْر والخُيَلاء ما في الزينة التي خرج فيها قارون على قومه، فلمّا مَسخوا دين الله تعالى مسخهم الله، ولمّا تكبّروا عن الحق أذلّهم الله تعالى، فلما جمعوا بين الأمرين جَمع الله لهم بين هاتين العقوبتين، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣].

وقد جاء ذكر المسخ والخسف في عدة أحاديث تقدم ذكر بعضها.

فصل

وقد أخبر ﷺ أن طائفة من أمته تستحلّ الربا باسم البيع، كما أخبر عن استحلال الخمر باسم آخر.

فروى ابن بطة١ بإسناده عن الأوزاعي، عن النبي ﷺ: «يأتي على

  1. (١) لم أقف على رواية ابن بطة في كتابه «إبطال الحيل»، ورواه الخطابي في غريب الحديث (١/ ٢١٨) عن عبد العزيز بن محمد المسكي عن ابن الجنيد عن سويد عن ابن المبارك عن الأوزاعي مرسلًا. وذكره شيخ الإسلام في بيان الدليل (ص ٦٧) نقلًا عن ابن بطة.
602

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي