إغاثة اللهفان

فالمحتال بالباطل يُعامَل بنقيض قصده شرعًا وقَدَرًا. وقد شاهد الناس عِيانًا أنه مَنْ عاش بالمكْر ماتَ بالفقر.

ولهذا عاقب الله ﷾ مَن احتالَ على إسقاط نصيب المساكين وقت الجِدَاد: بحرمانهم الثمرة كلَّها.

وعاقب من احتالَ على الصيد المحرم: بأن مَسخَهم قِردةً وخنازير.

وعاقب من احتال على أكل أموال الناس بالربا: بأنه يَمْحَقُ ماله، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، فلا بد أن يُمْحَق مالُ المرابي ولو بلغ ما بلغ.

وأصل هذا: أنه سبحانه جعل عُقوبات أصحاب الجرائم بضدِّ ما قصدوا له بتلك الجرائم.

فجعل عقوبة الكاذب: إهدار كلامه ورَدَّه عليه.

وجعل عقوبة الغالِّ من الغنيمة لمَّا قصد تكثير ماله بالغُلول: حِرمانَ سَهْمِه، وإحراق متاعه.

وجعل عقوبة من اصطاد في الحرَم أو الإحرام: تحريم أَكْلِ ما صاده، وتغريمه نظيره.

وجعل عقوبة من تكبّر عن قبول الحق والانقياد له: أن ألزمه من الذُّلِّ والصَّغار بحسب ما تكبّر عنه من الحق.

وجعل عقوبة من استكبرَ عن عُبوديته وطاعته: أن صَيّره عبدًا لأهل عبوديته وطاعته.

613

وجعل عقوبة من أخاف السبيلَ وقطعَ الطريقَ: أن تُقطّع أطرافُه، وتُقطَع عليه الطرق كلّها بالنفي من الأرض، فلا يسيرُ فيها إلا خائفًا.

وجعل عقوبة من الْتَذَّ بَدَنُه كله ورُوحه بالوطءِ الحرام: إيلامَ بَدَنه وروحِه بالجَلْدِ والرّجم، فيصل الألم إلى حيث وصلت اللذّة.

وشرع النبي ﷺ عقوبة من اطّلع في بيت غيره: أن تُقلَع عينُه بعُودٍ ونحوه١؛ إفسادًا للعُضْو الذي خانه به، وأوْلجه بيته بغير إذنه، واطّلع به على حُرْمته.

وعاقب كل خائنٍ: بأنه يُضِلّ كَيْدَه ويُبطله، ولا يهديهِ لمقصوده، وإن نال بعضه، فالذي ناله سبب لزيادة عقوبته وخيبته٢: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢].

وعاقب من حرص على الولاية والإمارة والقضاء: بأن شرع منعه وحرمانه ما حرص عليه، كما قال النبي ﷺ: «إنا لا نُولِّي عَمَلنا هذا مَنْ سأله»٣.

ولهذا عاقب أبا البشر: بأن أخرجه من الجنة لمّا عصاه بالأكل من الشجرة ليخلُد فيها، فكانت عقوبته إخراجه منها، ضد ما أمّله.

وعاقب من اتخذ معه إلها آخر ينتصرُ به ويتعزّز به: بأن جعله عليه ضِدًّا يَذِلّ به، ويُخذل به، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا

  1. (١) كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم (٢١٥٨).
  2. (٢) ح، ت، ظ: «خيانته».
  3. (٣) أخرجه البخاري (٢٢٦١)، ومسلم (١٧٣٣) عن أبي موسى الأشعري.
614

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي