وحَرّم الجمعَ بين المرأة وعَمّتها، وبين المرأةِ وخالتها١، لكونه ذريعة إلى قطيعة الرحم، وبهذه العلة بعينها عَلّلَ رسول الله ﷺ فقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم»٢.
وأمر بالتسوية بين الأولاد في العطيّةِ، وأخبر أن تخصيص بعضهم بها جَوْرٌ لا يصلح، ولا تنبغي الشهادة عليه، وأمر فاعله بردِّه، ووعظَه وأمَرهُ بتقوى الله تعالى، وأمره بالعدل٣: لكون ذلك ذريعةً ظاهرة قريبةً جدًّا إلى وقوع العداوة بين الأولاد وقطيعة الرحم بينهم، كما هو المشاهد عِيانًا.
فلو لم تأتِ السنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها بالمنع منه، لكان القياس وأصولُ الشريعة وما تضمنته من المصالح ودَرْءِ المفاسد يقتضي تحريمه.
ومنع مِنْ نكاح الأمَة لكونه ذَريعةً ظاهرةً إلى استرقاق ولده، ثم جَوّز
(١) أخرجه البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨) عن أبي هريرة.
(٢) رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٣٧) وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٩) وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٢٧٨) والذهبي في الميزان (٤/ ٨٢) من طريق الفضيل بن ميسرة عن أبي حَريز عن عكرمة عن ابن عباس، وصحّحه ابن حبان (٤١١٦)، وحسنه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٧٥٨)، قال ابن الملقن في البدر المنير (٧/ ٦٠١): «مداره على أبي حَريز، واسمه: عبد الله بن الحسَين، قَاضِي سجستان، وحالته مُختلف فيها»، وهو في السلسلة الضعيفة (٦٥٢٨). وفي الباب عن عيسى بن طلحة مرسلًا.
(٣) أخرجه البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣) عن النعمان بن بشير.
وطأها بملك اليمين لزوال هذه المفسدة.
ومنع من تجاوز أربع زوجاتٍ١: لكونه ذريعةً ظاهرة إلى الجَوْر، وعدم العدل بينهن، وقصر الرجال على الأربع فُسْحَةً لهم في التخلّص من الزنى، وإن وقع منهم بعضُ الجور، فاحتماله أقلُ مَفْسدةً من مفسدة الزنى.
ومنع من عقد النكاح في حال العِدّة وحال الإحرام، وإن تأخّر الدخول إلى ما بعد انقضائها وحصول الحِلّ، لكون العقد ذَريعةً إلى الوطء، والنفوس لا تصبر غالبًا مع قوة الداعي.
وشرط في النكاح شروطًا زائدة على مُجرَّدِ العقد، فقطع عنه شَبَه بعض أنواع السفاح به؛ كاشتراط إعلانه إما بالشهادة، أو بترك الكتمان، أو بهما، واشتراط الولي، ومنع المرأة أن تَلِيَه، ونَدَب إلى إظهاره، حتى استَحَبّ فيه الدُّفَّ والصوتَ والوليمة، وأوجب فيه المهر.
ومنع هِبَةَ المرأة نفسَها لغير النبي ﷺ. وسِرُّ ذلك أن في ضد ذلك والإخلال به: ذريعةً إلى وقوع السفاح بصورة النكاح، كما في الأثر٢: «إن الزانية هي التي تزوِّج نفسها»؛ فإنه لا تشاء زانيةٌ تقول: زَوّجْتُك نفسي بكذا، سرًّا من وَليِّها، بغير شهود، ولا إعلان، ولا وليمة، ولا دُفٍّ، ولا صوت، إلا فعلت، ومعلوم قطعًا أن مفسدة الزنى لا تنتفي بقولها: أنكحتك نفسي، أو
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٤١)، وابن ماجه (١٩٥٢) عن قيس بن الحارث.
(٢) رواه عبد الرزاق (٦/ ٢٠٠) وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٥) والدارقطني (٣/ ٢٢٧، ٢٢٨) والبيهقي في الكبرى (٧/ ١١٠) عن أبي هريرة موقوفًا عليه، ورفعه بعضهم، وهو مخرّج في الإرواء (١٨٤١). وروى سعيد بن منصور (٥٣٣) عن ابن عباس قال: «البغيّ التي تزوّج نفسها بغير ولي».