إغاثة اللهفان

ومن ذلك: أن المسلم إذا احتاج إلى التزوُّج بدار الحرب، وخاف على نفسه الزنى، عَزَل عن امرأته، نص عليه أحمد، لئلّا يكون ذلك ذريعة إلى أن يَنشأ ولده كافرًا.

ومن ذلك: أن الصحابة ﵃ اتفقوا على قتل الجماعة الكثيرة بالواحد، وإن كان القصاصُ يقتضي المساواة: لئلا يُتخذَ ذريعةً إلى إهدار الدماء، وتعاون الجماعة على قتل المعصوم.

ومن ذلك: أن السكران لو قَتَل اقْتُصّ منه، وإن كان في هذه الحال لا قصدَ له: لئلا يُتخذ السكر ذريعة إلى قتل المعصوم، وسقوط القصاص.

ومن ذلك: نهيُهُ سبحانه رسوله ﷺ عن الجهر بالقرآن بحَضرة العدو، لمّا كان ذريعة إلى سَبِّهم للقرآن ومَن أنزله.

ومن ذلك: أنه سبحانه نهى الصحابة أن يقولوا للنبي ﷺ: ﴿رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، مع قصدهم المعنى الصحيح وهو المراعاة: لئلّا يتخذ اليهودُ هذه اللفظة ذريعةً إلى السّبّ، ولئلّا يتَشبّهوا بهم، ولئلّا يُخاطَبَ بلفظ يحتمل معنًى فاسدًا.

ومن ذلك: أنه ﷺ كره الصلاة إلى ما قد عبد من دون الله، وأحبَّ لمن صلّى إلى عمود أو عود أو شجرة أن يجعله على أحد حاجبيه، ولا يَصْمُدَ له صمدًا١: سدًّا لذريعة التشبه بالسجود لغير الله تعالى.

ومن ذلك: أنه أمر المأمومين أن يُصلّوا جلوسًا إذا صلى إمامهم

  1. (١) أخرجه أبو داود (٦٩٣) عن المقداد بن الأسود. وإسناده ضعيف، كما في نصب الراية (٢/ ٨٤) وتهذيب سنن أبي داود (١/ ٣٤٣).
628

جالسًا١: سدًّا لذريعة التشبُّه بفارس والروم في قيامهم على ملوكهم وهم قعود.

ومن ذلك: أن النبي ﷺ منع الرجل من أخذ نظير حقه بصورة الخيانة ممَّن خان، وجَحْدِ حقِّه، وإن كان إنما يأخذ حقه أو دونه، فقال لمن سأله عن ذلك: «أدِّ الأمانة إلى مَن ائْتَمَنك، ولا تخنْ من خانك»٢؛ لأن ذلك ذريعة إلى إساءة الظن به، ونسبته إلى الخيانة، ولا يمكنه أن يحتج عن نفسه، ويقيم عذره، مع أن ذلك أيضًا ذريعةٌ إلى أن لا يقتصر على قدْر الحقِّ وصفته؛ فإن النفوس لا تقتصر في الاستيفاء غالبًا على قدر الحق.

ومن ذلك: أنه سلّط الشريك على انتزاع الشِّقْص المشفوع من يد المشتري: سدًّا لذريعة المفسدة الناشئة من الشركة، والمخالطة بحسْب الإمكان، وقبل البيع ليس أحدُهما أولى بانتزاع نصيب شريكه من الآخر، فإذا رغبَ عنه وعَرَضه للبيع كان شريكه أحقّ به، لما فيه من إزالة الضرر عنه، وعدم تضرره هو؛ فإنه يأخذه بالثمن الذي يأخذه به الأجنبي.

ولهذا كان الحق أنه لا يَحِلّ الاحتيال لإسقاط الشُّفعة، ولا تسقط بالاحتيال؛ فإن الاحتيال على إسقاطها يعود على الحكمة التي شُرعت لها بالنقض والإبطال.

ومن ذلك: أنه لا تُقبل شهادة العدو ولا الظَّنِين في تُهمة أو قرابة، ولا الشريك فيما هو شريك فيه، ولا الوصي فيما هو وصيٌّ فيه، ولا الولد على

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١) عن أنس. وفي الباب أحاديث أخرى.
  2. (٢) سيأتي تخريجه.
629

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي