إغاثة اللهفان

وكذلك إن كان نكاحًا تواطآ عليه، كان حكمه حكم الأنكحة الفاسدة.

وكذلك إن تواطآ على هبةٍ أو بيع لإسقاط الزكاة، أو على هبةٍ لتصحيح نكاحٍ فاسد، أو وقفٍ فاسد، مثل أن تريد مُواقعةَ مملوكها فتَهبه لرجلٍ، فيزوجها به، فإذا قضتْ وطرها منه استوهَبته من الرجل، فوهبها إيّاه، فانفسخَ النكاح، فهذا البيع والهبة فاسدان في جميع الأحكام.

وإن كان الاحتيالُ من واحدٍ: فإن كانت حيلةً يُستقلّ بها لم يحصل بها غرضه، فإن كانت عقدًا كان فاسدًا، مثل أن يهبَ لابنه هِبةً يريد أن يَرجع فيها لئلا يجب عليه الزكاة؛ فإن وجود هذه الهبة كعدمها، وليست هبةً في شيء من الأحكام، لكن إن ظهر المقصود تَرتّب الحكم عليه ظاهرًا وباطنًا، وإلا كانت فاسدةً في الباطن فقط.

وإن كانت حيلة [٨٢ أ] لا يستقل بها، مثل أن ينوي التحليل، ولا يظهره للزوجة، أو يرتجع المرأة إضرارًا بها، أو يهب ماله إضرارًا لورثته ونحو ذلك، كانت هذه العقود بالنسبة إليه وإلى من علم غرضَه باطلة، فلا يحل له وطءُ المرأة، ولا يرثها لو ماتت.

وإذا علم الموهوبُ له والموصَى له غَرضَه، لم يحصلْ له الملك في الباطن، فلا يحلّ له الانتفاع به، بل يجب ردُّه إلى مُسْتَحِقّه.

وأما بالنسبة إلى العاقِد الآخر الذي لم يعلم فإنه صحيح، يفيد مقصود العقود الصحيحة.

ولهذا نظائر كثيرة في الشريعة.

وإن كانت الحلية له وعليه كطلاق المريض، صحح الطلاق من جهة أنه

635

أزال ملكه، ولم يصحح من حيث أنه يَمنعُ الإرث؛ فإنه إنّما منع من قطع الإرث، لا من إزالة ملك البُضْع.

وإن كانت الحيلة فعلًا يُفْضي إلى غرض له، مثل أن يسافر في الصيف ليتأخّر عنه الصوم إلى الشتاء، لم يحصل غرضُه، بل يجب عليه الصّوم في هذا السفر.

قلت: ونظير هذا ما قاله المالكية: إنه لا يستبيح رُخصة المسْحِ على الخُفّين إذا لبسهما لنفس المسح، فلو مسح لذلك لم يُجْزِه، وعليه إعادة الصلاة أبدًا، وإنما تثبتُ الرّخصة في حَقّ من لبسهما لحاجة، كالبرد والركوب ونحوهما، فيمسح عليهما لمشقة النّزْع. وخالفهم باقي الفقهاء في ذلك. والمنع جارٍ على أصول من راعى المقاصد.

قال شيخنا ﵀: وإن كان يُفضي إلى سقوط حقّ غيره، مثل أن يطأ امرأة أبيه أو ابنه لينفسخ نكاحه، أو مثل أن تُباشر المرأة ابنَ زوجها أو أباه عند من يَرى ذلك موجبًا للتحريم، فهذه الحيلُ بمنزلة الإتلاف للملك بقتل أو غصْبٍ، لا يمكنُ إبطالها؛ لأن حُرمة المرأة بهذا السبب حق الله تعالى، يترتب عليه فسخُ النكاح ضمنًا، والأفعال الموجبة للتحريم لا يُعتبر لها العقل، فضلًا عن القصد.

وهذا بمنزلة أن يحتال على نجاسة مائع؛ فإن نجاسة المائعات بالمخالطة، وتحريم المصاهرة بالمباشرة، أحكام تثبتُ بأمور حِسّية، فلا تُرفع الأحكام مع وجود تلك الأسباب.

قلت: هذا كان قولَ الشيخ أولًا، ثم رجعَ إلى أن تحريمَ المصاهرة لا يثبت بالمباشرة المحرمة، وحينئذٍ فصورةُ ذلك: أن تُرْضعَ امرأته الكبيرة أو

636

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي