إغاثة اللهفان

فدلَّ على أن الشيء الذي هو في نفسه غير محرّم، إذا قُصدَ به أمر محرمٌ صار محرمًا.

واحتج أحمد على بطلان الحيل وتحريمها بلعنهِ ﷺ للمحلّل١، وبقوله: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود؛ فتستحلوا محارم الله بأدنَى الحيل»٢.

واحتج على تحريم الحيل لإسقاط الشفعة بقوله: «فلا يحلّ له أن يبيع؛ حتى يُؤْذِنَ شريكه»٣.

واحتج ابن عباس وبعده أيوب السَّخْتياني٤، وغيره من السلف بأن الحيل مُخادعة لله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يخادعون إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]، قال ابن عباس: ومن يخادع الله يخدعه٥.

ولا ريب أن من تدبّر القرآن، والسّنّة، ومقاصد الشارع: جَزم بتحريم الحِيَل وبطلانها؛ فإن القرآن دلّ على أن المقاصد والنيّاتِ معتبرةٌ في التصرّفات والعادات، كما هي معتبرة في القربات٦ والعبادات، فتجعلُ٧ الفعل حلالًا أو حرامًا، وصحيحًا أو فاسدًا، وصحيحًا من وجه فاسدًا من

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) أخرجه مسلم (١٦٠٨) عن جابر.
  4. (٤) تقدّم تخريجه.
  5. (٥) تقدم تخريجه.
  6. (٦) في الأصل: «التقربات».
  7. (٧) في الأصل: «فيجعل».
642

وجه، كما أن القصد والنية في العبادات تجعلها كذلك.

وشواهد هذه القاعدة كثير ة جدًّا في الكتاب والسنة:

فمنها: قوله تعالى في آية الرجعة: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وذلك نصّ في أن الرجعة إنما تثبت لمن قصد الصلاح دون الضّرار؛ فإذا قصد الضرار لم يُمَلّكْه الله الرجعة.

ومنها: قوله تعالى في آية الخلع: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا دليل على أن الخُلعَ المأذون فيه إنما هو إذا خافَ الزوجان أن لا يُقيما حدود الله، وأن النكاح الثاني إنما يُباح إذا ظنّا أن يُقيما حدود الله؛ فإنه شرط في الخلع خوف عدم إقامة حدوده، وشرط في العَوْد ظنَّ إقامة حدوده.

ومنها: قوله تعالى في آية الفرائض: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]؛ فإنه ﷾ إنما قدّم على الميراث وَصِية مَنْ لم يُضارَّ الورثة بها، فإذا كانت الوصية وصية ضرار؛ كانت حرامًا، وكان للوارث إبطالها، وحرم على الموصَى له أخذ ذلك بدون رِضَا الورثة [٨٣ ب]، وأكد سبحانه ذلك بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].

وتأمل كيف ذكر ﷾ الضرار في هذه الآية دون التي قبلها؛ لأن الأُولى تضمنت ميراث العمودين، والثانية تضمنت ميراث الأطراف من الزوجين، والإخوة، والعادة أن الميت قد يُضارّ زوجه وإخوته، ولا يكاد يضارّ والديه وولده.

643

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي