إغاثة اللهفان

يستطيعوا حِيْلةً يتخلصون بها من المُقام بين أظْهُر الكفار، وهو حرام، فَعُلِمَ أن الحيلة التي تُخلِّص من الحرام مُسْتَحبة مأذونٌ فيها، وعامّة الحيل التي تنكرونها علينا هي من هذا الباب، فإنها حيل تُخَلِّص من الحرام، ولهذا سَمّى بعضُ من صَنّف في ذلك كتابه: «المخارج من الحرام، والتخلُّص من الآثام».

واعتبر هذا بحيلة العينة؛ فإنها تُخَلّص من الربا المحرم.

وكذلك الجمع بين الإجارة والمساقاة، يُخَلّص من بَيع الثمرة قبل بُدوّ صلاحها، وهو حرام.

وكذلك خُلع اليمين [٨٤ أ] يُخَلّص من وقوع الطلاق الذي هو حرام، أو مكروه، أو من مواقعة المرأة بعد الحِنْثِ، وهو حرام.

وكذلك هِبَةُ الرجل مالَه قبل الحوْلِ لوَلَدِه أو امرأته، يُخلّصه من إثم مَنْع الزكاة، كما يتخلص من إثم المنع بإخراجها، فهما طريقان للتخلُّص.

فالحيل تخلِّص من الحرج، وتخلِّص من الإثم، والله تعالى قد نفى الحرجَ عَنّا وعن ديننا١، ونَدَبنا إلى التخلص منه ومن الآثام، فمن أفضل الأشياء معرفةُ ما يُخلّصنا من هذا وهذا، وتعليمُه، وفَتْحُ طريقه.

ألا ترى أن الرجل إذا حلف بالطلاق: ليَقْتُلَنّ أباه، أو ليشربن الخمر، أو ليزنين بامرأة ونحو ذلك كان في الحيلة تخليصُه من مفسدة فعل ذلك، ومن مفسدة خراب بيته، ومفارقة أهله؛ فإن مَنْ لا يرى الحيلة ليس له عنده مخرج إلا بوقوع الطلاق، فإذا علم أنه يقع به الطلاق فزال فِعْلُ المحلوف عليه، فأي شيء أفضلُ من تخليصه من هذا وهذا؟

  1. (١) «عن ديننا» ساقطة من الأصل.
646

وكذلك من وَقع عليه الطلاق الثلاث، ولا صبرَ له عن امرأته، ويرى اتصالها بغيره أشدّ من موته، فاحْتلنا له بأن زوَّجناها بعبدٍ فوطئها، ثم وَهَبْناهُ منها فانفسخ نكاحه، وحلّت لزوجها المطلّق بعد انقضاء العدّة.

قالوا: وقد قال الله تعالى لنبيه أيوبَ ﵇ وقد حلف لَيَجْلِدَنّ امرأتَه مئةً: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].

قال سعيد عن قتادة١: كانت امرأته قد عَرّضَت له بأمر، وأرادها إبليس على شيء فقال لها: لو تكلمتِ بكذا وكذا. وإنما حملها عليه الجوع٢، فحلف نبيّ الله لئن شفاهُ الله تعالى ليجلدنها مئة جلدة، قال: فأُمِرَ بأصلٍ فيه تسعة وتسعون قضيبًا، والأصل تَكْملة المئة، فيضربها به ضربة واحدةً، فأبَرّ الله تعالى نبيه، وخَفّف عن أمَتِهِ.

وقال عبد الرحمن بن جُبير٣: لقيها٤ إبليس، فقال لها: والله لو تكلّم صاحِبُك بكلمة واحدةٍ، لكُشِفَ عنه كلّ ضُرٍّ، ولرجع إليه ماله وولده، فأخبرت أيوب ﵇، فقال: ويلك، ذاك عدو الله، إنما مَثَلُك مَثَلُ المرأة الزانية، إذا جاءها صديقها بشيء قَبِلته وأدخلته، وإن لم يأتها بشيء

  1. (١) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ٢١٣)، ورواه بنحوه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٦٧، ١٦٨) ــ ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٦٨) ــ عن معمر عن قتادة، وعزاه في الدر المنثور (٧/ ١٩٥) لعبد بن حميد وابن المنذر.
  2. (٢) في بعض النسخ: «الجزع».
  3. (٣) رواه أحمد في الزهد (ص ٨٩) والطبري في تفسيره (٢١/ ٢١٢) عن أبي المغيرة عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير بنحوه.
  4. (٤) في الأصل: «لقنها».
647

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي