إغاثة اللهفان

وكذلك من وَقع عليه الطلاق الثلاث، ولا صبرَ له عن امرأته، ويرى اتصالها بغيره أشدّ من موته، فاحْتلنا له بأن زوَّجناها بعبدٍ فوطئها، ثم وَهَبْناهُ منها فانفسخ نكاحه، وحلّت لزوجها المطلّق بعد انقضاء العدّة.

قالوا: وقد قال الله تعالى لنبيه أيوبَ ﵇ وقد حلف لَيَجْلِدَنّ امرأتَه مئةً: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].

قال سعيد عن قتادة١: كانت امرأته قد عَرّضَت له بأمر، وأرادها إبليس على شيء فقال لها: لو تكلمتِ بكذا وكذا. وإنما حملها عليه الجوع٢، فحلف نبيّ الله لئن شفاهُ الله تعالى ليجلدنها مئة جلدة، قال: فأُمِرَ بأصلٍ فيه تسعة وتسعون قضيبًا، والأصل تَكْملة المئة، فيضربها به ضربة واحدةً، فأبَرّ الله تعالى نبيه، وخَفّف عن أمَتِهِ.

وقال عبد الرحمن بن جُبير٣: لقيها٤ إبليس، فقال لها: والله لو تكلّم صاحِبُك بكلمة واحدةٍ، لكُشِفَ عنه كلّ ضُرٍّ، ولرجع إليه ماله وولده، فأخبرت أيوب ﵇، فقال: ويلك، ذاك عدو الله، إنما مَثَلُك مَثَلُ المرأة الزانية، إذا جاءها صديقها بشيء قَبِلته وأدخلته، وإن لم يأتها بشيء

  1. (١) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ٢١٣)، ورواه بنحوه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٦٧، ١٦٨) ــ ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٦٨) ــ عن معمر عن قتادة، وعزاه في الدر المنثور (٧/ ١٩٥) لعبد بن حميد وابن المنذر.
  2. (٢) في بعض النسخ: «الجزع».
  3. (٣) رواه أحمد في الزهد (ص ٨٩) والطبري في تفسيره (٢١/ ٢١٢) عن أبي المغيرة عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير بنحوه.
  4. (٤) في الأصل: «لقنها».
647

طردته وأغلقت بابها عنه. لمّا أعطانا الله تعالى المال والولد آمنا به، وإذا قبض الذي له منا نكفُرُ به؟ إن أقامني الله تعالى من مرضي لأجلدنك مئة. فأفتاه الله سبحانه بما أخبر به: أن يأخذ ضِغْثًا وهو الحُزْمَة من الشيء، مثل الشماريخ الرّطبة والعيدان ونحوها مما هو قائم على ساق، فيضربها ضربة واحدة.

وهذا تعليم منه سبحانه لعباده التخلُّص من الآثام، والمخرج من الحرج بأيّ١ شيء، وهذا أصلنا في باب الحيل؛ فإنا قسنا على هذا، وجعلناه أصلًا.

قالوا: وقد أرشد النبي ﷺ إلى التخلّص من صريح الربا، بأن يبيع التمْر بدراهم، ثم يشتري بتلك الدراهم تمرًا:

فروى أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمرٍ بَرْنِي، فقال له النبي ﷺ: «من أين هذا؟»، قال: كان عندنا تَمْرٌ رديءٌ، فبعتُ منه صاعين بصاعٍ ليَطْعَم النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ عند ذلك: «أوّهْ! عينُ الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبِعِ التمرَ ببيعٍ آخر، ثم اشترِ به». متفق عليه٢.

وفي لفظ آخر: «بعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جَنِيبًا».

والجمع والجنيب: نوعان من التمر.

وفي لفظ لمسلم: «بِعْهُ بسلعةٍ، ثم ابتعْ بسلعتك أيّ التمرِ شئت».

  1. (١) في بعض النسخ: «بأيسر».
  2. (٢) البخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤).
648

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي