إغاثة اللهفان

في جاريةٍ له، وبيده مِرْوَحَة، فقال: أُشهِدكُم أنها لها، فلما خرجنا قال: علامَ شهدتم؟ قلنا: شهدنا أنك جعلت الجارية لها، قال: أما رأيتموني أُشير إلى المروحة؟ إنما قلتُ لكم: اشْهَدوا أنها لها، وأنا أعني المروحة.

وقال محمد بن الحسن، عن عمر بن ذَرٍّ، عن الشعبي١: من حلف على يمين لا يستثني، فالبِرّ والإثم فيها على علمه، قلت: ما تقول في الحيل؟؟ قال: لا بأس بالحيل فيما يَحِلّ ويجوز، وإنما الحيل شيء يتخلص به الرجل من الحرام، ويخرج به إلى الحلال، فما كان من هذا ونحوه فلا بأس به، وإنما نَكْرَهُ من ذلك أن يحتال الرجل في حقٍّ لرجل حتى يُبطله، أو يحتال في باطل حتى يُمَوِّهَه، أو يحتال في شيء حتى يُدْخِل فيه شُبْهة، وأما ما كان على السبيل الذي قلنا فلا بأس بذلك.

وكان حماد٢ ﵀ إذا جاءه مَنْ لا يريد الاجتماع به وضَع يده على ضِرْسِه، ثم قال: ضِرْسي، ضِرْسي.

ووجَّه الرشيدُ إلى شَريك٣ رجلًا ليُحْضره، فسأله شريكٌ أن ينصرف ويُدافع بحضوره، ففعلَ، فحبسَه الرشيدُ، ثم أرسل إليه رسولًا آخر فأحضره، وسأله عن تخلّفه لما جاءه رسوله؟ فحلف له بالأيمان المغلظة أنه ما رأى الرسول في اليوم الذي أرسله فيه، وعنى بذلك الرسول الثاني، فصدّقه، وأمر بإطلاق الرجل.

  1. (١) هذا القدر من كلام الشعبي ذكره السرخسي في المبسوط (٣٠/ ١٨٥).
  2. (٢) لم أقف عليه.
  3. (٣) لم أقف عليه.
655

وأُحضر الثوري١ إلى مجلس المهدي، فأراد أن يقومَ، فَمُنعَ، فحلف بالله أنه يعود، فترك نعله وخرج، ثم رجع فلبسها، ولم يَعُدْ، فقال المهدي: ألم يحلف أنه يعود؟ فقالوا: إنه عاد فأخذ نعله.

قالوا: وليس مذهب من مذاهب الأئمة المتبوعين إلا وقد تضمَّن كثيرًا من مسائل الحيل.

فأبعدُ الناس عن القول بها: مالك، وأحمد.

وقد سُئل أحمد عن المروذي وهو عنده، ولم يرد أن يخرج إلى السائل، فوضع أحمدُ إصبعه في كفّه، وقال: ليس المروذي هاهنا، وماذا يصنع المروذي هاهنا؟

وقد سُئل أحمدُ عن رجل حلف بالطلاق ليَطأنّ امرأته في نهار رمضان، فقال: يُسافر بها ويطؤها في السفر.

وقال صاحب «المستوعب»٢: وجدت بخط شيخنا أبي حكيم: حُكي أن رجلًا سأل أحمدَ عن رجل حلف أن لا يُفْطر في رمضان، فقال له: اذهب إلى بشر بن الوليد، فسَلْه ثم ائتني فأخبرني، فذهب فسأله، فقال له بشرٌ: إذا أفطر أهلك فاقعد معهم ولا تفطر، فإذا كان السَّحر فكلْ، واحتج بقول النبي ﷺ: «هلمّ إلى الغداء المبارك»٣، فاستحسنه أحمد.

  1. (١) ذكره العجلي في الثقات (١/ ٤١٢)، وعن العجلي رواه الخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ١٦٠).
  2. (٢) طُبع منه أربع مجلدات خاصة بالعبادات، ولم أجد النص فيها.
  3. (٣) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٧٥)، وأحمد (٤/ ١٢٦، ١٢٧)، وأبو داود (٢٣٤٦)، والنسائي (٢١٦٢)، والطحاوي في شرح المشكل (٥٥٠٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥١)، وغيرهم من طريق يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عن أبي رهم عن العرباض بن سارية، وأعلّه البزار، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (١٨٠٥)، والمنذري في الترغيب (٢/ ٨٩)، والذهبي في الميزان (٢/ ١٦٨)، وقال النووي في المجموع (٦/ ٣٦١): «في إسناده نظر»، لكن شواهده كثيرة، وقد صحّحه ابن خزيمة (١٩٣٨)، وابن حبان (٣٤٦٥)، وهو في صحيح سنن أبي داود (٢٠٣٠)، وفي الباب عن عمر وأبي الدرداء وعتبة بن عبد وابن عمر وأنس والمقدام بن معد يكرب وعائشة وشيبان بن مالك وعن ضمرة والمهاجر ابني حبيب مرسلًا. وانظر: السلسلة الصحيحة (٢٩٨٣، ٣٤٠٨).
656

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي