إغاثة اللهفان

ونوع: هو مُحرّمٌ ومخادعة لله ورسوله، متضمّن لإسقاط ما أوْجبه، وإبطال ما شَرعه، وتحليل ما حَرّمه.

وإنكار السلف والأئمة وأهل الحديث إنما هو لهذا النوع.

فإن الحيلة لا تُذَمّ مطلقًا، ولا تحمَدُ مطلقًا، ولفظُها لا يُشعِرُ بمدحٍ ولا ذَمٍّ، وإن غلب في العرفِ إطلاقها على ما يكون من الطرق الخَفِيّة إلى حُصولِ الغرضِ، بحيث لا يُتفَطّن [٨٥ ب] له إلا بنوع من الذّكاء والفِطنة.

وأخص من هذا: تخصيصُها بما يُذَمّ من ذلك، وهذا هو الغالب على عُرف الفقهاء المنكرين للحيل؛ فإن أهلَ العرف لهم تصرفٌ في تخصيص الألفاظ العامة ببعض موضوعاتها، وتقييد مطلقها ببعض أنواعه.

فإن الحيلة فِعْلَةٌ: من الحَوْلِ، وهو التصرف من حالٍ إلى حالٍ، وهي من ذوات الواو، وأصلها: حِوْلَة؛ فسكنت الواوُ، وانكسر ما قبلها، فقُلِبَتْ ياءً، كميزان، ومِيقات، وميعاد.

قال في «المُحْكَم»١: الحَوْلُ، والحَيْل، والحِوَلُ، والحَوْلة، والحِيلَة، والحَوِيل، والمَحَالة، والاحتيال، والتحيل، والتَّحوُّل، كل ذلك: الحِذق، وجَودة النظَر، والقدرة على دقة٢ التصرف.

قال: والحِوَل، والحِيلُ: جمع حِيلَة. ورجلٌ حُوَّل، وحُوَلةَ، وحَوَاليٌّ، وحُوالِيٌّ، وحَولْوَلٌ: شديد الاحتيال.

وما أحْوَله وأحْيَله، وهو أحولُ منك. انتهى.

  1. (١) المحكم (٤/ ٦) ط. دار الكتب العلمية.
  2. (٢) في النسخ: «وجه». والتصويب من المحكم.
658

فالحيلة: فِعْلةٌ من الحول، وهو التحوّل من حالٍ إلى حالٍ، وكل من حاول أمرًا يريد فعله، أو الخلاصَ منه، فما يحاوله به: حيلة يَتَوَصّل بها إليه.

فالحيلة معتبرة بالأمر المحتال بها عليه إطلاقًا ومنعًا، ومصلحة ومفسدة، وطاعة ومعصية.

فإن كان المقصود أمرًا حسنًا كانت الحيلة حسنة، وإن كان قبيحًا كانت الحيلةُ قبيحةً، وإن كان طاعةً وقُربة كانت الحيلةُ عليه كذلك، وإن كانت معصيةً وفسوقًا كانت الحيلة عليه كذلك.

ولما قال النبي ﷺ: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود؛ فتستحلّوا محارم الله بأدنَى الحيل»١ صارت في عُرْف الفقهاء إذا أطلقت يُقْصَد بها الحيل التي يُستَحَلُ بها المحارم، كحيل اليهود.

وكل حيلةٍ تتضمن إسقاط حقٍّ لله، أو لآدميّ فهي مما يستحلُّ بها المحارم.

ونظير ذلك لفظ الخداع؛ فإنه ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن كان بحقٍّ فهو محمود، وإن كان بباطل فهو مذمومٌ.

ومن النوع المحمود قوله ﷺ: «الحرب خدعة»٢، وقوله في الحديث الذي رواه الترمذي٣ وغيره: «كلّ الكذب يُكْتَبُ على ابن آدم إلا ثلاث

  1. (١) سبق تخريجه.
  2. (٢) سبق تخريجه.
  3. (٣) سنن الترمذي (١٩٣٩) من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد مرفوعا بمعناه، ورواه أيضًا ابن وهب في الجامع (٥٣٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣٢٧)، وأحمد (٦/ ٤٥٤، ٤٥٩، ٤٦٠)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٤٩٩)، والطبري في التهذيب (٢٠٩، ٢١٠ ــ مسند علي ـ)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٦٤ - ١٦٦)، وابن عدي في مقدمة الكامل (١/ ٤٠)، وغيرهم، واختُلف في إسناده فقيل: عن شهر عن أبي هريرة، وقيل: عنه عن الزبرقان عن النواس بن سمعان، وقيل: عنه مرسلًا، وقيل غير ذلك، وحسنه الترمذي، وأعلّه الطحاوي في شرح المشكل (٧/ ٣٧٠) بابن خثيم، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٠٩): «فيه شهر بن حوشب، وقد وثِّق وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات». وفي الباب عن أنس وأبي أيوب وأم كلثوم بنت عقبة وعائشة.
659

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي