ومن أحسن ذلك: خديعة مَعْبَد بن أبي معبد الخُزاعي لأبي سُفيان وعسكر المشركين حين هَمّوا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين، فردَّهم من فورهم١.
ومن ذلك: خديعة نُعيم بن مسعود الأشجعي ليهود بني قُرَيظة، ولكفار قريش والأحزاب، حتى ألقى الخُلْفَ بينهم، وكان سببَ تفرقهم ورُجوعهم٢.
(١) رواه ابن إسحاق ــ كما في سيرة ابن هشام (٤/ ٥٣) ــ عن عبد الله بن أبي بكر معضلا، ومن طريق ابن إسحاق رواه الطبري في تفسيره (٨٢٤٣)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٣١٥ - ٣١٦).
(٢) رواه البيهقي في الدلائل (٣/ ٤٤٥) عن ابن إسحاق عن رجل عن عبد الله بن كعب بن مالك، وذكره ابن هشام في السيرة (٤/ ١٨٨) عن ابن إسحاق بغير إسناد. وذكره ابن سعد في الطبقات (٢/ ٧٣). وروى قصّةَ وقعةِ الأحزاب عبد الرزاق (٥/ ٣٦٧) عن الزهري عن ابن المسيب مرسلًا، وفيها أن الخديعة والإيقاع بين الطرفين كان من النبيّ ﷺ، وكان نعيم أداةً في ذلك من غير أن يشعر، وكذلك رواه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٩٨) من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا، ورواه أيضًا (٣/ ٤٤٧) من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة. قال ابن كثير في البداية (٤/ ١٢٩): «ما ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم أحسن مما ذكره موسى بن عقبة».
ونظائر ذلك كثيرة.
وكذلك المكر: ينقسم إلى محمود ومذموم؛ فإن حقيقته إظهارُ أمر وإخفاء خلافه ليتوصل به إلى مراده.
فمن المحمود: مكره تعالى بأهل المكر، مقابلةً لهم بفعلهم، وجزاءً لهم بجنس عملهم، قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[الأنفال: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[النمل: ٥٠].
إذا عُرف ذلك: فلا إشكال أنه يجوز للإنسان أن يُظْهِر قولًا أو فعلًا، مقصودُه به [٨٦ أ] مقصودٌ صالح، وإن كان ظاهرُه خلاف ما قصد به، إذا كانت فيه مصلحة دينية، مثل دَفْع الظلم عن نفسه، أو غيره، أو إبطال حِيلةٍ محرمة.
وإنما المحرّم: أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعها الله ورسوله له، فيصير مخادعًا لله، كائدًا لدينه، ماكرًا بشَرْعه، فإن مقصودَه حصولُ الشيء الذي حرمه الله تعالى ورسوله بتلك الحيلة، وإسقاط الذي أوجبه بتلك الحيلة.