إغاثة اللهفان

لم يبلغه وأقام دونه، فالأجرة كذا وكذا، فقالوا: لا يصحُّ العقد؛ لأنَّا لا نعلم على أيّ المسافتين وقع العقد؟

قالوا: والحيلة في تصحيحه: أن يُسمّي للمكان الأقرب أجرةً، ثم يسمّي منه إلى المكان الأبعد أجرةً أخرى، فيقول مثلًا: آجرتك إلى الرّمْلَة بمئة، ومن الرملة إلى مصر بمئة، لكن لا يأمن المستأجر مطالبة المؤجر له بالأجرة إلى المكان الأقصى، ويكون قد أقام في المكان الأقرب.

فالحيلة في تخلّصه: أن يشترط عليه الخيار في العقد الثاني إن شاء أمضاه، وإن شاء فسخه.

ويصحُّ اشتراط الخيار في عقد الإجارة، إذا كانت على مدة لا تلي العقد.

والقياس يقتضي صحة الإجارة على أنه إن وصل إلى مكان كذا وكذا فالأجرة مئة، وإن وصل إلى مكان كذا وكذا فالأجرة مئتان، ولا غَرَرَ في ذلك، ولا جهالة.

وكذا إذا قال: إن خِطْت هذا الثوب رُوميًّا؛ فلك درهمٌ، وإن خِطْته فارسيًا؛ فلك نصف درهم؛ فإن العمل إنما يقع على وجه واحد.

وكذلك قطع المسافة، فإنه إما أن يقطع القريبة أو البعيدة، فلا يُشبه هذا قوله: بِعْتُكَه بعشرة نقدًا، أو عشرين نسيئة؛ فإنه إذا أخذه لا يَدري بأيّ الثمنين أخذ، فيقع التنازع، ولا سبيل لنا إلى العلم بالمعيّن منهما، بخلاف عقد الإجارة؛ فإن استيفاء المعقود عليه لا يقع إلا معيَّنًا، فيجب أجرهُ١.

  1. (١) بعدها في ح زيادة «عمله».
671

المثال العاشر: إذا زرع أرضه، ثم أراد أن يُؤجِرها، والزرعُ قائم، لم يجز؛ لتعذُّر انتفاع المستأجر بالأرض.

وطريق تصحيحها: أن يبيعه الزرع، ثم يؤجِره الأرض، فإن أحبّ بقاء الزرع على ملكه قَدّر لكماله مُدة معينةً، ثم آجَره الأرض بعد تلك المدة إجارة مُضافة.

فإن خاف أن يفسخ عليه العقد حاكمٌ يرى بُطلان هذه الإجارة، فالحيلةُ: أن يبيعه الزرع، ثم يؤجره الأرض، فإذا تم العقد اشترى منه الزرع، فعاد الزرع إلى ملكه، وصحت الإجارة.

المثال الحادي عشر: إذا أراد أن يُؤجِرهُ الأرض على أن خراجها على المستأجر لم يصح؛ لأن الخراج تابعٌ لرقْبَة الأرض، فهو على مالكها، لا على المنتفع بها من مُستأجر، أو مستعير.

وطريق الجواز: أن يُؤجِره إياها بأجرة زائدة على أجرة مثلها، بقدر خراجها، ثم يُشهد عليه أنه قد أذن للمستأجر أن يدفع من أجرة الأرض في الخراج كل سنةٍ كذا وكذا.

وكذلك لو استأجر دابةً على أن يكون عَلَفها على المستأجر لم يصح.

وطريق الحيلة: أن يستأجرها بشيء مسمَّى، ثم يُقَدّر له ما تحتاج إليه الدابة، ويُوكّله في إنفاقه عليها.

والقياس يقتضي صحة العقد بدون ذلك، فإنَّا نصحّح استئجار الأجير بطعامه وكسوته، كما آجَرَ موسى ﵇ نفسَه بعِفّة فَرْجِه وشِبَع بَطْنِه، فكذلك يجوز إجارة الدابة بعلفها، وكما يجوز أن يكون عَلَفُها جميع الأجرة يجوز أن يكون بعض الأجرة، والبعض الآخر شيءٌ مسمًّى.

672

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي