إغاثة اللهفان

هذا، وبذر المستأجر وعمله.

وهذا من أصحِّ قياس على وجه الأرض.

وبه يتبين أن الصحابة ﵃ أفقه الأمة وأعلمهم بالمعاني المؤثّرة في الأحكام، ولم ينكر أحد من الصحابة على عمر، فهو إجماع منهم.

ثم إن هذه الحيلة التي ذكرها هؤلاء تتعذر غالبًا إذا كان البستان ليتيم أو وقفًا؛ فإن المؤجِر ليس له أن يحابي في المساقاة حينئذٍ.

ولا يخلّص من ذلك محاباةُ المستحقّ في إجارة الأرض؛ فإنه إذا أربحه في عقد لم يجز له أن يُخسّره في عقدٍ آخر.

ولا يخلِّص من ذلك اشتراطُ عقدٍ في عقد، بأن يقول: إنما أساقيك على جُزء من ألف جزء، وبشرط أن أُوجِرك الأرض بكذا وكذا، فإن هذا لا يصح.

فعلى ما فعله الصحابة وهو مقتضى القياس الصحيح لا يحتاج إلى هذه الحيلة، وبالله التوفيق.

المثال الثالث عشر: إذا اشترى دارًا أو أرضًا، وخاف أن تخرج وقفًا أو مستحقة؛ فتؤخذ منه هي وأجرتها.

فالحيلة: أن يضمن البائع أو غيره دَرَك المبيع، وأنه ضامن لما غَرمه المشتري من ذلك، ويصح ضمان الدرك، حتى عند من يُبطل ضمان المجهول، وضمان ما لم يجب، للحاجة إلى ذلك.

فإن ضمن مَن يخاف استحقاقه كان أقوى.

675

فإن خاف أن يظهر استحقاقٌ على وارثه بعد موته ضمن الدّرَك ورثةُ البائع، أو ورثة من يخاف استحقاقه إن أمكنه.

فإن كان على ثقةٍ أنه متى استحق عليه المبيع رجع بثمنه، ولكن يغرم قيمة١ المنفعة، وهي أجرة المثل لمدة استيلائه على العين.

وهذا قولٌ ضعيف جدًّا؛ فإن المشتري إنما دخل على أن يستوفى المنفعة بلا عوض، والعِوضُ الذي بذله في مُقابلة العين لا للانتفاع، فإلزامه بالأجرة إلزام بما لم يلزمه، وكذلك نقول في المستعير: إذا استُحِقّت العين لم يلزمه عِوض المنفعة؛ لأنه إنما دخل على أن ينتفع مجانًا بلا عِوض، بخلاف المستأجر فإنه التزم الانتفاع بالعِوض، ولكن لا يلزمه إلا المسمّى الذي دخل عليه.

وكذلك الأمَةُ المشتراة إذا وطئها، ثم استُحِقّت لم يلزمه المهر؛ لأنه دخل على أن يطأها مَجّانًا، بخلاف الزوج، فإنه دخل على أن الوطء في مقابلة المهر، ولكن لا يلزمه إذا استُحقّت إلا المسمّى.

وعلى هذا فليس للمستحق أن يطالب المغرور؛ لأنه معذور غير ملتزم للضمان، وهو محسن غير ظالم، فما عليه من سبيل، وهذا هو الصواب، فإن طالبه على القول [٨٨ ب] الآخر رجع على من غرّه بما لم يلتزم ضمانه خاصة، ولا يرجع عليه بما التزم غرامته.

فإذا غرم المودع أو المتّهِب قيمة العين والمنفعة رجع على الغارّ بهما، وإذا غرم المستأجر ذلك رجع بقيمة العين، دون قيمة المنفعة، إلا أنه يرجع

  1. (١) في الأصل: «فيه».
676

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي