إغاثة اللهفان

وصحّ عن ابن عمر١: أنه قد سئل عن الرجل يكون له الدّين على رجل إلى أجلٍ، فيضع عنه صاحبُه، ويُعجّل له الأجر، فكره ذلك ابن عمر، ونهى عنه.

وصح عن أبي المنهال٢، أنه سأل ابن عمر ﵄، فقال: لرجل عليّ دينٌ، فقال لي: عَجّل لي لأضع عنك، قال: فنهاني عنه، وقال: نهى أمير المؤمنين يعنى عمر أن يبيع العين بالدين.

وقال أبو صالح مولى السّفاح واسمه عُبيد: بعتُ بزًّا من أهل السوق إلى أجل، ثم أردت الخروج إلى الكوفة، فعرضوا عليّ أن أضع عنهم، ويَنْقُدوني، فسألت عن ذلك زيد بن ثابت، فقال: لا آمرك أن تأكل هذا ولا تُؤكِله. رواه مالك في «الموطأ»٣.

وأما المعنى: فإنه إذا تعجّل البعض وأسقط الباقي فقد باع الأجل بالقدْر الذي أسقطه، وذلك عين الربا، كما لو باع الأجل بالقَدْر الذي يريده، إذا حلّ عليه الدين، فقال: زدني في الدين وأزيدك في المدة، فأي فرقٍ بين أن تقول: حُطّ من الأجل، وأحطّ من الدين، أو تقول: زد في الأجل، وأزيد في الدين؟

  1. (١) رواه مالك (١٣٥٢) عن عثمان بن حفص عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه، ومن طريق مالك رواه الطحاوي في شرح المشكل (١١/ ٦١)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٨). ورواه بعضهم من طريق ميسرة عن ابن عمر.
  2. (٢) رواه عبد الرزاق (٨/ ٧٢) والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٨) عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال به.
  3. (٣) الموطأ (١٣٥١)، ورواه أيضًا عبد الرزاق (٨/ ٧١)، ومن طريق مالك رواه الطحاوي في شرح المشكل (١١/ ٦١، ٦٢) والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٨).
681

قال زيد بن أسْلم: كان ربا الجاهلية: أن يكون للرجل على الرجُل الحقُّ إلى أجل، فإذا حلّ الحقّ قال له غريمه: أتقضي أم تُربي؟ فإن قضاه أخذه، وإلا زاده في حقه، وأخّر عنه في الأجل، رواه مالك١.

وهذا الربا مُجْمَعٌ [٨٩ ب] على تحريمه وبطلانه، وتحريمه معلومٌ من دين الإسلام، كما يُعلم تحريمُ الزنى، واللواط، والسرقة.

قالوا: فنقصُ الأجل في مقابلة نقصِ العِوض كزيادته في مقابلة زيادته، فكما أن هذا ربا، فكذلك الآخر.

قال المبيحون: صحّ عن ابن عباس٢ ﵄: أنه كان لا يرى بأسًا أن يقول: أُعَجّل لك وتضعُ عني، وهو الذي روى أن رسول الله ﷺ لمّا أمر بإخراج بني النضير من المدينة جاءه ناسٌ منهم، فقالوا: يا رسول الله! إنك أمرت بإخراجهم، ولهم على الناس ديون لم تحلّ، فقال النبي ﷺ: «ضعوا وتعجّلوا».

  1. (١) رواه مالك (١٣٥٣) عنه، ومن طريق مالك رواه البيهقي في الكبرى (٥/ ٢٧٥). ورواه الطبري في تفسيره (٧٨٢٦) من طريق ابن وهب عن ابن زيد عن أبيه قال: «إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن»، ثم بيّن ذلك.
  2. (٢) رواه عبد الرزاق (٨/ ٧٢)، والطحاوي في شرح المشكل (١١/ ٦١)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٨) من طريقين عن عمرو بن دينار عن ابن عباس. ورواه عبد الرزاق (٨/ ٧٢) عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس. ورواه عبد الرزاق (٨/ ٤٢٩) وابن أبي شيبة (٤/ ٤٧١) ــ ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٣٣٥) ــ من طريق جابر الجعفي عن عطاء عن ابن عباس في الرجل يقول لمكاتبه: عجِّل لي وأضع عنك: لا بأس به، وعزاه البوصيري في الإتحاف (٥/ ٤٦١) للحاكم.
682

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي