قلت: هو على شرط «السنن». وقد ضعفه البيهقي. وإسناده ثقات، وإنما ضُعّف بمسلم بن خالد الزَّنجي، وهو ثقة فقيه، روى عنه الشافعي واحتجّ به.
وقال البيهقي٢: «باب من عُجّل له أدنى من حَقه قبل محله، فوضع عنه، طيّبَةً به أنفسهما».
وكأن مراده أن هذا وقع بغير شرط، بل هذا عَجّل، وهذا وَضَع، ولا محذور في ذلك.
قالوا: وهذا ضد الربا؛ فإن ذلك يتضمن الزيادة في الأجل والدين، وذلك إضرار محضٌ بالغريم، ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين، وانتفاع صاحبه بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، خلاف الربا المجمع عليه؛ فإن ضرره لاحقٌ بالمدين، ونفعه مختص برب الدين، فهذا ضد الربا صورةً ومعنًى.
(١) رواه الطحاوي في شرح المشكل (٤٢٧٧)، والطبراني في الأوسط (٨١٧، ٦٧٥٥)، والحاكم (٢٣٢٥)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٨)، وخلاصة ما أُعلّ به الإرسال والاضطراب وضعف راويه وجهالة آخر، فرجّح أبو حاتم إرساله كما في العلل (١١٣٤)، وضعّفه العقيلي (٣/ ٢٥١)، والدارقطني (٣/ ٤٦)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ١٣٢)، والذهبيّ، وقال ابن كثير في البداية (٤/ ٨٧): «في صحته نظر»، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٣٤): «فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف وقد وُثِّق»، ومع ذلك قال المصنف في أحكام أهل الذمة (١/ ٣٩٦): «إسناده حسن، ليس فيه إلا مسلم بن خالد، وحديثه لا ينحطّ عن رتبة الحسن».
(٢) السنن الكبرى (٦/ ٢٧).
قالوا: ولأن مقابلة الأجل١ بالزيادة في الربا ذريعةٌ إلى أعظم الضرر، وهو أن يَصير الدرهمُ الواحدُ ألوفًا مؤلّفة، فتشتغل الذمة بغير فائدة، وفي «ضعْ وتعجَّل» تتخلّص ذمة هذا من الدَّين، وينتفع ذاك بالتعجيل له.
قالوا: والشارع له تطلّع إلى براءة الذمم من الديون، وسَمّى الغريم المدين: أسيرًا، ففي براءة ذمته تخليصٌ له من الأسر، وهذا ضد شَغْلها بالزيادة مع الصبر.
وهذا لازمٌ لمن قال: يجوز ذلك في دَين الكتابة، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة؛ فإن المكاتب مع سَيّده كالأجنبي في باب المعاملات، ولهذا لا يجوز أن يبيعه درهمًا بدرهمين، ولا يُبايعه بالربا، فإذا جاز له أن يتعجل بعض كتابته، ويضع عنه باقيها، لما له في ذلك من مصلحة تعجيل العتق، وبراءة ذمّته من الدّين، لم يمنع ذلك في غيره من الديون.
ولو ذهب ذاهبٌ إلى التفصيل في المسألة، وقال: لا يجوز في دَين القرض، إذا قلنا بلزوم تأجيله، ويجوز في ثمن المبيع والأجرة، وعوض الخُلْع، والصَّداق: لكان له وجهٌ؛ فإنه في القرض يجب رَدّ المثل، فإذا عجّل له وأسقط باقيه خرج عن موجب العقد، وكان قد أقرضه مئة، فوَفّاه تسعين بلا منفعة حصلت للمُقرض، بل اختصّ المقترض بالمنفعة، فهو كالمُرْبي سواءً في اختصاصه بالمنفعة دون الآخر.
وأما في البيع والإجارة فإنهما يملكان فسخ العقد، وجعل العوض حالًا أنقصَ مما كان، وهذا هو حقيقة الوضع والتعجيل، لكن تحيّلا عليه، والعبرة في