إغاثة اللهفان

ثم قال: والحيلة في تصحيح ذلك: أن يشتري الشفيع هذا البيت من المشتري بثمن مُسَمّى، ثم يُسَلّم الشفيع للمشتري ما بقي من الدار، وشراء الشفيع لهذا البيت تسليمٌ للشُّفعة، ومساومته بالبيت تسليمٌ للشُّفعة.

فإن أراد الشفيع شراء البيت المعيَّن وبقاءه على شُفعته في الباقي،

فالحيلة أن لا يبدأ بالمساومة، بل يصبر حتى يبتدئ المشتري، فيقول: هذا البيت أخذته بكذا وكذا، فيقول الشفيع: قد استوجبته بما أخذته به، ولا يكون مُسَلّمًا للشفعة في باقي الدار، وليس في هذه الحيلة إبطال حق غيره، وإنما فيها التَّوصل إلى حقه.

المثال الخامس والعشرون: يجوز تعليقُ الوكالة على الشرط، كما يجوز تعليقُ الولاية والإمارة على الشرط، وقد صحَّ عن النبي ﷺ تعليق الإمارة بالشرط١، وهي وكالة وتفويضٌ وتوليةٌ، ولا مَحذور في تعليق الوكالة بالشرط البتة.

والحيلة في تصحيحها: أن يُنجز الوكالة، ويُعلّق الإذن في التصرف بالشرط؛ وهذا في الحقيقة تعليقٌ لها نفسها بالشرط؛ فإن مقصود الوكالة صحة التصرف ونُفُوذه، والتوكل وسيلةٌ [٩٠ ب] وطريق إلى ذلك، فإذا لم يمتنعْ تعليقُ المقصود بالشرط؛ فالوسيلة أولى بالجواز.

المثال السادس والعشرون: يجوز تعليق الإبْراءِ بالشرط ويصحّ، وفَعَله الإمام أحمد، وقال أصحابنا: لا يصح.

  1. (١) يشير إلى ما قاله النبي ﷺ عن تأمير زيد بن حارثة، وقد أخرجه البخاري (٤٢٦١) عن ابن عمر.
687

قالوا: فإذا قال: إن مِتُّ فأنت في حِلّ مما لي عليك، فإن علّقَ ذلك بموت نفسه صحّ؛ لأنه وصية.

وإن علّقه بموت مَنْ عليه الدين لم يصحّ؛ لأنه تعليق للبراءة بالشرط، ولا يصح، كما لا يصح تعليقُ الهبة.

فيقال أولًا: الحكم في الأصل غير ثابتٍ بالنصّ، ولا بالإجماع، فما الدليلُ على بُطلان تعليق الهبة بالشرط؟ وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه علّق الهبةَ بالشرط في حديث جابرٍ١،قال: «لَوْ قَدْ جاءَ مالُ البَحْرين لأعطيتُك هكذا، ثم هكذا، ثم هكذا» ثلاث حَثَيات، وأنجز له الصديق ﵁ لمّا جاء مالُ البحرين بعد وفاة النبي ﷺ.

فإن قيل: كان ذلك وعدًا.

قلنا: نعم، والهِبَة المعلّقة بالشرط وعدٌ، وكذلك فعل النبي ﷺ لما بعث إلى النجاشي بهدية من مَسَك، وقال لأمّ سلمة: «إني قد أهديتُ إلى النجاشي حُلّة وأواقِيّ من مَسَك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة، فإن رُدّتْ عليّ فهي لك»، وذكر الحديث. رواه أحمد٢.

  1. (١) أخرجه البخاري (٣١٦٤)، ومسلم (٢٣١٤).
  2. (٢) مسند أحمد (٦/ ٤٠٤) من حديث أمّ كلثوم، ورواه أيضًا ابن سعد في الطبقات (٨/ ٩٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٤٥٩)، وابن المنذر في الأوسط (٨٩٥)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٢٣)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٨١)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٦)، وغيرهم، وفي إسناده اختلاف، وصححه الحاكم (٢٧٦٦)، فتعقبه الذهبي بقوله: «منكر، ومسلم الزنجي ضعيف»، وصححه ابن حبان (٥١١٤) من حديث أم كلثوم عن أم سلمة، قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٦٢): «فيه مسلم بن خالد الزنجي، وثقه ابن معين وغيره وضعفه جماعة، وأم موسى بن عقبة لم أعرفها، وبقية رجاله رجال الصحيح»، وحسّن إسناده ابن حجر في الفتح (٥/ ٢٢٢)، وضعفه الألباني في الإرواء (١٦٢٠).
688

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي