إغاثة اللهفان

فالصحيح: صحةُ تعليق الهبة بالشرط عملًا بهذين الحديثين.

وأيضًا فالوصية تمليكٌ، وهي في الحقيقة تعليقٌ للتمليك بالموتِ، فإنه إذا قال: إن متّ من مرضي هذا فقد أوصيتُ لفلان بكذا، فهذا تمليكٌ معلّق بالموت.

وكذلك الصحيح: صحة تعليق الوقف بالشرط، نص عليه في رواية الميموني في تعليقه بالموت.

وسائرُ التعليق في معناه، ولا فرق البتة، ولهذا طَرَدهُ أبو الخطاب، وقال: لا يصح تعليقه بالموت.

والصواب طَرْدُ النص، وأنه يصح تعليقه بالموت وغيره، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد، وهو مذهب مالك، ولا يُعرفُ عن أحمد نصٌّ على عدم صحته، وإنما عدم الصحة قول القاضي وأصحابه.

وفى المسألة وجهٌ ثالث: أنه يصح تعليقه بشرط الموت، دون غيره من الشروط، وهذا اختيارُ الشيخ مُوفّق الدين، وفرّق بأن تعليقَه بالموت وصيّةٌ، والوصية أوسع من التصرف في الحياة، بدليل الوصية بالمجهول والمعدوم، والحَمْل.

والصحيح: الصحة مطلقًا، ولو كان تعليقه بالموت وصيةً لامتنع على الوارث، ولا خلاف أنه يصحّ تعليقه بالشرط بالنسبة إلى البطون، بَطْنًا بعد

689

بطن، وأن كونه وقفًا على البطن الثاني مشروط بانقضاء الأول، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال ﷺ: «المسلمون عند شروطهم»١.

والقياس الصحيح يقتضي صحة تعليقه؛ فإنه أشبه بالعتق منه بالتمليك، ولهذا لا يشترط فيه القبول إذا كان على جهةٍ اتفاقًا.

وكذلك إذا كان على آدميٍّ معين، في أقوى الوجهين، وما ذاك إلا لشَبَهه بالعتق.

والمقصود: أن تعليق الإبراء بالشرط أولى من ذلك كله، فمَنْعُه مخالفٌ لموجب الدليل والمذهب.

ويقال ثانيًا: لا يلزم من بُطلان تعليق الهبة بطلانُ تعليق الإبراء، بل

  1. (١) علّقه مجزومًا به البخاري في كتاب الإجارة، باب: أجر السمسرة، ووصله أبو داود (٣٥٩٦)، والطحاوي في شرح المعاني (٥٤٠٨)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٦٨)، والدارقطني (٣/ ٢٧)، والحاكم (٢٣٠٩)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٧٩، ١٦٦، ٢٤٩)، وغيرهم من حديث أبي هريرة، وصححه ابن الجارود (٦٣٧، ١٠٠١)، وابن قدامة في الكافي (٢/ ٢١٣)، وابن دقيق العيد في الإلمام (١٠٤٤)، قال النووي في المجموع (٩/ ٣٧٦): «إسناده حسن أو صحيح»، وقال ابن تيمية كما في المجموع (٢٩/ ١٤٧): «أسانيده وإن كان الواحد منها ضعيفا فاجتماعها من طرق يشدّ بعضها بعضًا»، وصحّحه المصنف في الفروسية (ص ١٦٤)، وحسنه ابن كثير في إرشاد الفقيه (٢/ ٥٤)، وقال ابن حجر في التغليق (٣/ ٢٨١): «رُوي من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف وأنس بن مالك ورافع بن خديج وعبد الله بن عمر وغيرهم، وكلّها فيها مقال، لكن حديث أبي هريرة أمثلها»، وصححه الألباني في الإرواء (١٣٠٣)، وقد أبعد من بالغ وزعم أنه مكذوب.
690

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي