إغاثة اللهفان

المثال الأربعون: إذا كان لرجلٍ على رجل مالٌ، وللذي عليه المال عقارٌ، فأراد أن يجعل عقاره في يَد غريمه يستغلّه، ويقبض غَلّته من دَيْنه، جاز ذلك؛ لأنه توكيل له فيه، فإن خاف الغريمُ أن يعزله صاحب العقار عن الوكالة:

فالحيلة: أن يَسْتَرهنه منه ويستديم١ قبضه، ثم يأذن له في قبض أجرته من دينه، ولو لم يأذن له فله أن يقبضها قصاصًا.

وله حيلة أُخرى: أن يستأجره منه بمقدار دينه، فما وجب له عليه من الأجرة سقط من دينه بقدره قصاصًا.

المثال الحادي والأربعون: إذا كان له جارية، فأراد وَطْأها، وخاف أن تَحْبلَ منه، فتصير أمَّ ولدٍ، لا يمكنه بيعها:

فالحيلة: أن يبيعها لأبيه، أو أخيه، أو أخته، فإذا مَلَكَها سأله أن يُزَوّجه إيّاها فيطأها بالنكاح، ويكون ولَدُه منها حرًّا يَعتِقُون على البائع بالرّحِم، وهذا إذا كان ممن يجوز له نكاح الإماء، بأن لا يكون تحته حُرّةٌ عند أبي حنيفة، أو يكون خائفًا للعَنَت، عادمًا لطَوْل حُرّةٍ عند الجمهور.

المثال الثاني والأربعون: إذا بانت منه امرأته بَيْنُونة صُغرى، وأراد أن يُجدّد نكاحها، فخاف إن أعلمها لم تتزوج به؛ فله في ذلك حيل:

إحداها: أن يقول: قد حلفتُ بيمين، ثم استفتيتُ، فقيل لي: جَدّد نكاحك، فإن كانت قد بانت منك عاد النكاح، وإلا لم يَضُرّك، فإن كان لها وليّ جدّد نكاحها، وإلا فالحاكم أو نائبه.

  1. (١) في م: «يستدين». والمثبت من بقية النسخ.
699

ومنها: أن يُظهر أنه يريدُ سفرًا، وأنه يريد أن يجعلَ لها شيئًا من ماله، وأن الاحتياط أن يجعله صَداقًا بعقْدٍ يُظْهِرُه.

ومنها: أن يُظهر مرضًا، وأنه يريدُ أن يُقِرّ لها بمال، أو يُوصي لها به، وأن ذلك لا يتم، والأحوطُ أن يُظهر عَقْدَ نكاحٍ، وجعل ذلك صداقًا فيه.

فإن قيل: إذا بانت منه ملكتْ نفسها، ولم يصح نكاحُها إلا برضاها، ولعلّها لو علمت الحال لم ترضَ بالنكاح الثاني.

قيل: رضاها بتجديد النكاح١ للغرض٢ الذي يُريده يتضمنُ رضاها بالنكاح، وهي لو هَزَلَتْ بالإذن صحّ إذنها، وصحّ النكاح، مع أنها لم تقصده، كما لو هَزَلَ الزوجُ بالقبول صح نكاحُهُ، وهاهنا قد قصدت بقاء النكاح، ورضيت به، فهو أولى بالصحة.

فإن قيل: فالرجل قاصد إلى النكاح، والمرأة غير قاصدة له.

قيل: بل قصدت إلى تجديد نكاح يتم به غرضها، فلم تخرج بذلك عن القصد والرِّضا.

ولو قال رجل لرجل هَزْلًا ومِزاحًا: زوّجْني ابنَتك على مئة درهم، أو قال: زوِّجني مُولِيتَك، وهي تسمع، فقال له مزاحًا وهزلًا قد زوجتكها، انعقدَ النكاح، وحَلَّ له وطؤها، لحديث أبي هريرة الذي رواه أهل «السنن»٣، عن

  1. (١) في بقية النسخ: «العقد».
  2. (٢) ث: «للعوض».
  3. (٣) رواه أبو داود (٢١٩٦)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)، والطحاوي في شرح المعاني (٤٢٩٧ ــ ٤٢٩٩)، والدارقطني (٣/ ٢٥٦، ٢٥٧، ٤/ ١٨، ١٩)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٣٤٠)، وغيرهم من طريق عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن ابن ماهك عن أبي هريرة، قال الترمذي: «حسن غريب»، وصححه ابن الجارود (٧١٢)، والحاكم (٢٨٠٠)، وابن دقيق العيد في الإلمام (١٣٣٤)، قال الذهبي: «عبد الرحمن بن حبيب فيه لين»، وضعف إسناده ابن الملقن في البدر المنير (٨/ ٨٢)، وحسنه بشواهده الألباني في الإرواء (١٨٢٦). وفي الباب عن عبادة بن الصامت وفضالة بن عبيد وأبي ذر وأبي الدرداء وعن الحسن مرسلًا. وقد أبعد من بالغ وزعم أنه مكذوب.
700

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي