إغاثة اللهفان

النبي ﷺ: «ثلاثٌ جِدّهنّ جِدٌّ، وهَزْلُهنّ جِدٌّ: النكاحُ، والطلاقُ، والرّجعةُ».

المثال الثالث والأربعون: إذا كان الرجل حَسَن التصرف في ماله، غيرَ مبذّرٍ له، فرُفع إلى الحاكم، وشُهِدَ أنه مُبَذّر، فخاف أن يَحْجُر عليه، فقال: إن حجرت علي فعبيدي أحرارٌ، ومالي صدقةٌ على المساكين، لم يَملك القاضي أن يحجُر عليه بعد ذلك؛ لأنه إنما يحجرُ عليه صيانةً [٩٣ أ] لماله، وفى الحجر عليه إتلاف ماله، فهو يعودُ على مقصود الحجر بالإبطال.

المثال الرابع والأربعون: يصحّ الصلح عندنا وعند أبي حنيفة ومالك على الإنكار، فإذا ادّعى عليه شيئًا فأنكره، ثم صالحه على بعضه جاز.

والشافعي لا يُصَحّح هذا الصلح؛ لأنه لم يَثُبتْ عنده شيء، فبأيّ طريقٍ يأخذ ما صالحه عليه؟ بخلاف الصلح على الإقرار، فإنه إذا أقرّ له بالدَّين أو العين، فصالحه على بعضه، كان قد وهبه، أو أبرأهُ من البعض الآخر.

والجمهور يقولون: قد دلّ الكتاب والسنة والقياسُ على صحة هذا الصلح؛ فإن الله ﷾ ندب إلى الإصلاح بين الناس، وأخبر أن الصلح خير، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]،

701

وقال النبي ﷺ: «الصلح بين المسلمين١ جائز، إلا صلحًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا»٢.

وأما القياس: فإن المدّعَى عليه يفتدي مُطالبتَه باليمين وإقامة البَيّنة وتوابع ذلك بشيء من ماله يبذله، ليتخلص من الدعوى ولوازمها، وذلك غرضٌ صحيح، مقصود عند العقلاء، وغاية ما يُقدّر أن يكون المدّعي كاذبًا، فهو يتخلّص من تحليفه له، وتعريضه للنكول، فيقضى عليه به، أو تُرد اليمين، بل عند الخِرَقي: لا يصحّ الصلح إلا على الإنكار، ولا يصح مع الإقرار، قال: لأنه يكون هضمًا للحق.

فإذا صالحه مع الإنكار، فخاف أن يرفعه إلى حاكمٍ يُبطلُ الصلح فالحيلة في تخليصه من ذلك: أن يصالحَ أجنبي عن المنكر على مال، ويُقرّ الأجنبيّ لهذا المدّعي بما ادعاه على غريمه، ثم يصالحه مِن دعواه على مالٍ،

  1. (١) في بعض النسخ: «الناس».
  2. (٢) رواه أحمد (٢/ ٣٦٦)، وأبو داود (٣٥٩٦) واللفظ له، وابن عدي في الكامل (٦/ ٦٨)، والدارقطني (٣/ ٢٧)، والحاكم (٢٣٠٩، ٧٠٥٨)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٦٣، ٦٤)، وغيرهم عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة، وصححه ابن الجارود (٦٣٨، ١٠٠١)، وابن حبان (٥٠٩١)، وابن دقيق في الإلمام (١٠٤٢)، قال الذهبي: «كثير ضعفه النسائي ومشاه غيره»، وحسّن إسناده ابن كثير في إرشاد الفقيه (٢/ ٥٤)، وصحّحه الألباني في الإرواء (١٣٠٣). ورواه الدارقطني (٣/ ٢٧) عن عبد الله بن الحسين عن عفان عن حماد بن زيد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة، وصححه الحاكم (٢٣١٣)، وتبعه ابن دقيق العيد (١٠٤١)، وتعقبه الذهبي بقول ابن حبان في عبد الله: «يسرق الحديث»، وبمثل ذلك أعلّه ابن القيم في التهذيب (٩/ ٣٧٤)، وابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٦٨٦)، وابن حجر في التغليق (٣/ ٢٨٢). وفي الباب عن عمرو بن عوف.
702

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي