إغاثة اللهفان

وفى الأخرى: يضمن بقِسْطها من الدّية.

ولو قال: عفوت عن هذه الجناية، فلا شيء له في السّراية، روايةً واحدة.

وعند أبي حنيفة: له المطالبة بالدّية في ذلك كله، إلا إذا قال: عفوت عنها، وعما يحدث منها.

فالحيلة في تخلص المعفوِّ عنه: أن يشهد على المجني عليه: أنه عَفا عن هذه الجناية أو الشّجة وما يحدث منها، فيتخلص عند الجميع.

المثال الثامن والأربعون: إذا مات وتَرك زوجةً وورثة، فأرادت الزوجة أن يُصالحها الورثةُ على حَقِّها، نظرنا في التَّرِكة، وفى الذي وقع عليه الصلح.

فإن كان في التَّركة أثمانٌ ذهبٌ وفضة١، فصالَحتْهم على شيء من الأثمان لم يصح، لإفضائه إلى الربا؛ لأن صلحها بيع نصيبها منهم.

وإن صالحتْهم على عَرض أو عقارٍ، أو كان في التركة دراهم، فصالحتهم بدنانير، أو بالعكس جاز، ولا تَضُرّ جهالةُ حقها؛ لأن عقد الصلح أوسعُ من البيع كما تقدم.

فإن كان في التركة ديون لم يَصِحَّ الصلح؛ لأن بَيع الدَّين من غير الذي هو في ذِمّتِه لا يصح، ويحتمل أن يقول بصحته، كما يصح عن المجهول، وإن لم يصح بيعه٢.

  1. (١) م، ش: «أثمانًا ذهبًا وفضةً». والمثبت من باقي النسخ.
  2. (٢) ح، ظ، ت: «بنفسه».
705

فالحيلة في صلحها عن الدَّين أيضًا: أن يُعَجّل لها حِصَّتها من الدَّين، يُقِرضها الورثة ذلك، وتُوكّلهم باقتضائه، ثم تُصالحهم من الأعيان على ما اتفقوا عليه؛ لأنهم إذا أقرضوها حِصّتها١ من الدَّين، ثم وَكّلَتهم بقبض حِصّتها من الدَّين، فإذا قبضوا حِصّتها من الدين فقد حصل في أيديهم من مالها من جنس ما لهم عليها فيتقاصّان، ويكون عقدُ الصلح قد وقع عن العروض والمتاع خاصة.

فإن لم تَطِبْ أنفسهم أن يُقرضوها قَدْرَ حِصّتها من الدَّين، وأحبت تعجيل الصلح، صالحتهم من حقها من المتاع والعُروض، دون الديون، وكلما قُبض من الدين شيءٌ أخذت حقها منه، فإن تعسّر ذلك، وشقّ عليها، وأحبّت الخلاص، حابَوها في الصلح من الأعيان بأكثر من حقها منها، وأقرت أن الدّين حقّ للورثة دونها، من ثمن متاعٍ باعه الميت لهم.

فإن أرادوا قسمة الدين في الذمم فالمشهور: أنه لا يصح؛ لأن الذّمم لا تتكافأ.

وفيه رواية أخرى: تجوز قسمته، وهي الصحيحة، فإنه قد تكون مصلحة الورثة والغرماء في ذلك، وتفاوُتُ الذمم لا يمنعُ القسمة؛ فإن التفاوت في المحل، والمقسومُ واحد مُتماثلٌ، وإن اختلفت محالُّه.

وإذا كان الغرماء كلهم مُوسِرين أو مُعْسِرين، أو بعضهم موسرًا، وبعضهم معسرًا، فأخذ كلٌّ من الورثة موسرًا ومعسرًا، كان هذا عَدْلًا غير ممتنع، وقد تراضوْا به، ولا وجه لبطلانه، وبالله التوفيق.

  1. (١) في الأصل: «حقها».
706

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي