إغاثة اللهفان

فالحوالة ثلاثة أنواع: حوالة قَبض محضٍ، فهي وكالة، وحوالة استيفاء، وهي التي تَنْقل الحقّ، وحوالة إقراض:

فالأولى: لا تُثبِت المقبوض في ذمة المحال، والثانية: تجعل حَقّه في ذمة المحال عليه، والثالثة: تثبت المأخوذ في ذمته بحكم الاقتراض.

المثال السابع والستون: إذا ضمِنَ الدين ضامنٌ فلمستحقّه مطالبة أيهما شاء.

وعن مالك روايتان، إحداهما: كذلك، والثانية: أنه ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذّر مُطالبة الأصل.

فإن أراد الضامن أن يضمنَ على هذا الوجه، فالحيلة أن يقول: إن تعذّر مالُكَ قِبَلَهُ فأنا ضامن له.

ويصح تعليق الضمان على الشرط على الأصحّ.

فإن أراد أن يصحّح ذلك على كلّ قول، ويأمن رَفْعه إلى من يرى بطلان ذلك:

فالحيلة فيه: أن يقول: ضمنت ما يَتْوَى لك على فلانٍ، أو يَعْجِزُ عن أدائه، فيصح ذلك، ولا يتمكن من مطالبته إلا إذا توى المالُ على الأصل، أو عجز عنه.

المثال الثامن والستون: إذا بَذَتْ عليه امرأته، فقال: الطلاق يلزمني منك؛ لا تقولين لي شيئًا؛ إلا قلت لك مثله، فقالت: أنتَ طالق ثلاثًا:

فقال بعضهم: يقول لها: أنتَ طالق ثلاثًا بفتح التاء، ولا تطلق؛ لأن الخطاب لا يصلح لها.

718

وهذا ضعيف جدًّا؛ لأن قوله: أنتَ طالق؛ إما أن يعنيها به، أو يعني غيرها، فإن لم يَعْنِها لم يكن قد قال لها مثل ما قالت، بل يكون القولُ لغيرها، فلا يَبرُّ به؛ وإن عَنَاها به طلقت للمواجهة، وفتح التاء لا يمنع صحة الخطاب، والمعنى: أنتَ أيها الشخصُ أو الإنسان!

ثم يقول هذا القائل إذا قالت له: فعل الله بك كذا، فقال لها: فعل الله بك وفتح الكاف، هل يكون بارًّا في يمينه بذلك؟

فإن قال: لا يَبَرّ، لزمه مثله في الطلاق.

وإن قال: يبرُّ، كان قائلًا لها ذلك، فيكون مطلّقًا لها.

وأجود من هذا: [٩٦ ب] أن يكون قوله على التراخِي، ما لم يُقَيّده بالفَوْر، بلفظه أو نيّته.

وقالت طائفة: يقول لها: أنت طالق ثلاثًا، إن لم أفعل كذا وكذا، وإن فعلتِ، لما لا تَقْدرُ هي عليه، فيكون قد قال لها مثل ما قالت، وزاد عليه.

وفى هذا ضعف لا يخفى؛ لأن هذه الزيادة تنقص الكلام، فهي زيادةٌ في اللفظ ونُقصان في المعنى، فإنه إذا علّق الطلاق بشرط خرج من التّنْجيز إلى التعليق، وصار كله كلامًا واحدًا، وهي لم تُعلّق كلامها، وإنما نَجَّزته، فالمماثلة تقتضي تنجيزًا مثله.

وأجود من هذا كله أن يقال: لا يدخل هذا الكلام الذي صدر منها في يمينه؛ لأنه لم يُرده قطعًا، ولا خطر بباله، فيمينهُ لم يتناوله، فهو غير محلوف عليه بلا شك، واللفظ العام يختص بالنية والعُرْف، والعرف في مثل هذا لا يدخل فيه قولها له ذلك، والأيمان يُرجَع فيها إلى العرف والنية والسبب،

719

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي