إغاثة اللهفان

فإن قال: اقْبض لي المئة دينار التي على فلان، ولك عُشرها، جاز عند ابن القاسم وابن وَهْبٍ، وعند أَشْهَب: لا يجوز.

فلو قال: اقبض ديني الذي على فلان، ولك من كل عَشرة واحد، ولم يبيّن قَدْر الدَّين، لم يَجُزْ عند ابن وَهْب، وأجازه ابن القاسم وأصبغُ.

والذين منعوا الجواز في ذلك جعلوه إجارة، والأجر فيها مجهول.

والصحيح: أن هذا ليس من باب الإجارات، بل من باب المشاركات، وقد نص أحمد على ذلك.

فاحتجَّ على جواز دفع الثوب بالثلث والربع بحديث خَيْبَرَ١، وقد دَلّت السنّة على جواز ذلك، كما في «المسند» و«السنن»٢ عن رُويفع بن ثابت، قال: إن كان أحدُنا في زمن رسول الله ﷺ ليَأخُذُ نِضْوَ أخيه على أن له النّصف مما يَغْنَم ولنا النصف، وإن كان أحدُنا ليطير له النّصْلُ والريشُ وللآخر القِدْح.

وأصل هذا كله: أن النبي ﷺ دفع أرض خيبر إلى اليهود، يَعْملونها بشَطْر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرع.

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) مسند أحمد (٤/ ١٠٨)، سنن أبي داود (٣٦)، ورواه أيضًا ابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ٧٢، ٣٠٧)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٨)، والخطابي في غريب الحديث (٢/ ١٦٩) والبيهقي في الكبرى (١/ ١١٠) كلاهما من طريق أبي داود، وفي إسناده اختلاف، وحسنه النووي في المجموع (٢/ ١١٦)، وصحّح متنه ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣/ ١٤١)، وهو في صحيح سنن أبي داود (٢٧).
726

وأجمع المسلمون على جواز المضاربة، وأنها دفع ماله لمن يعمل عليه بجُزْءٍ من ربحه، فكلّ عينٍ تَنمي فائدتها من العمل عليها جاز لصاحبها دفعها لمن يعمل بجزء من ربحها.

فهذا محضُ القياس، وموجَب الأدلّة، وليس مع المانعين حُجّةٌ سوى ظنهم أن هذا من باب الإجارات بعوضٍ مجهول، وبهذا أبطلوا المساقاة والمزارعة.

واستثنى قومٌ بعض صورها، وقالوا: المضاربة على خلاف القياس، لظنّهم أنها إجارة بعوضٍ لا يُعْلم قَدْره.

وأحمدُ ﵀ عنده هذا الباب كله أطيبُ وأحلّ من المؤاجرة؛ لأنه في الإجارة يحصل المؤجر على سلامةِ العوض قطعًا، والمستأجر مُتردِّدٌ بين سلامة العوض وهلاكه، فهو على خَطَرٍ.

وقاعدةُ العدل في المعاوضات: أن يستوي المتعاقدان في الرّجاء والخوف، وهذا حاصل في المزارعة، والمساقاة، والمضاربة، وسائر هذه الصور الملحقة بذلك؛ فإن المنفعة إن سَلِمتْ سَلِمتْ لهما، وإن تَلِفتْ تَلِفتْ عليهما، وهذا من أحسن العدل.

واحتج المتأخّرون من المانعين بحديث أبي سعيد الذي رواه الدارقطني١: نُهي عن قفِيز الطحان، وهذا الحديث لا يصح.

وسمعتُ شيخ الإسلام ﵀ يقول: «هو موضوع»٢.

  1. (١) سنن الدارقطني (٣/ ٤٧). وقد تقدم تخريجه.
  2. (٢) وحكم عليه بالوضع في منهاج السنة (٧/ ٣١١).
727

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي